أذربيجانكازاخستان

قراءة في صعود آسيا الوسطى والقوقاز على خريطة الاستثمار المؤسسي

عبد الحميد حميد الكبي

رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي، لا يزال اهتمام المستثمرين المؤسسيين بآسيا الوسطى والقوقاز يتزايد بثبات.

فقد أظهر التقرير السنوي الثالث لتصورات المستثمرين الصادر عن مونتفورت أوراسيا أن نحو 66% من المستثمرين المؤسسيين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ينظرون إلى المنطقة باهتمام قوي أو متوسط، في مؤشر يعكس تحولًا متناميًا في موقعها على خريطة الاستثمار العالمي.

ولا تكمن أهمية هذه النتيجة في ارتفاع مستوى الاهتمام فحسب، بل في استمراره رغم بيئة دولية تتسم بارتفاع المخاطر وعدم اليقين.

ويشير ذلك إلى أن آسيا الوسطى والقوقاز لم تعودا تُنظر إليهما كأسواق ناشئة مؤقتة، بل بدأتا تترسخان تدريجيًا ضمن الاستراتيجيات الاستثمارية طويلة الأجل للمؤسسات المالية العالمية.

استند التقرير إلى استطلاع رأي شمل مستثمرين مؤسسيين في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تناول تقييمهم لمناخ الاستثمار في المنطقة، ومستوى معرفتهم بالأسواق، والعوامل المؤثرة في قراراتهم الاستثمارية.

وأبدى 67.1% من المشاركين في المملكة المتحدة و65.5% من المشاركين في الولايات المتحدة اهتمامًا قويًا أو متوسطًا بالمنطقة، وهو ما يعكس استمرار الزخم الاستثماري رغم التحديات العالمية.

اللافت في هذا الاهتمام ليس ارتفاعه فحسب، بل استقراره أيضًا. فلم تعد آسيا الوسطى والقوقاز تُنظر إليهما كأسواق ناشئة فحسب، بل أصبحتا جزءًا من الحسابات طويلة الأجل للمؤسسات الاستثمارية العالمية.

ويعكس ذلك تحولًا في نظرة المستثمرين من البحث عن الفرص قصيرة الأجل إلى تقييم الاقتصادات القادرة على تحقيق نمو مستدام.

في الوقت نفسه، حافظ المستثمرون على مستوى جيد من المعرفة بالمنطقة، إذ قيّم المشاركون البريطانيون فهمهم بـ6.63 من 10، بينما بلغ تقييم المشاركين الأمريكيين 6.79، وهو ما يمثل تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة.

ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات معرفية واضحة؛ إذ تمكن 29% فقط من المشاركين البريطانيين من تحديد حجم التجارة بين المملكة المتحدة والمنطقة بصورة صحيحة، فيما أخفق نحو ربع المشاركين في تحديد الدولة الأكثر ملاءمة للأعمال.

شهدت مصادر المعلومات أيضًا تحولًا لافتًا، حيث تجاوزت التحليلات المالية وسائل الإعلام التقليدية لتصبح المصدر الأول، بعدما اعتمد عليها 68.6% من المشاركين البريطانيين و56.6% من المشاركين الأمريكيين. ويعكس ذلك اعتمادًا متزايدًا على البيانات والمؤشرات الاقتصادية في اتخاذ القرارات الاستثمارية.

لذلك تبقى سلامة الاستثمار الهاجس الأكبر، إذ أشار إليها 72.3% من المستثمرين البريطانيين و64.7% من المستثمرين الأمريكيين، تليها عوامل الاستقرار السياسي وجودة الحوكمة.

ويؤكد ذلك انتقال المستثمرين من مرحلة الفضول الأولي إلى تقييم أكثر عمقًا يركز على المخاطر والعوائد طويلة الأجل.

ويرتبط هذا التحول أيضًا بالمتغيرات الدولية. فقد دفعت التوترات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، وصعود الممر الأوسط بوصفه أحد أهم مسارات الربط بين آسيا وأوروبا، المستثمرين إلى إعادة تقييم موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي.

وأصبحت آسيا الوسطى والقوقاز حلقة وصل استراتيجية تجمع بين موارد الطاقة، وشبكات النقل، والأسواق الأوروبية والآسيوية.

كازاخستان تقود آسيا الوسطى

تحتل كازاخستان موقعًا محوريًا في هذا المشهد. فقد بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 306 مليارات دولار في عام 2025، ما عزز مكانتها كأكبر اقتصاد في آسيا الوسطى.

ووفقًا لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تستحوذ كازاخستان على نحو 68.6% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكم في آسيا الوسطى، والبالغ 151.3 مليار دولار.

ويعود هذا الأداء إلى الإصلاحات الاقتصادية المبكرة التي تبنتها البلاد بعد الاستقلال، إلى جانب بيئة استثمارية أكثر استقرارًا مقارنة بالعديد من الاقتصادات المجاورة.

ورغم تراجع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2024، فإن استمرار ارتفاع رصيد الاستثمار المتراكم يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد الكازاخستاني على المدى الطويل.

أذربيجان… مركز الاستثمار في القوقاز

في المقابل، تقدم أذربيجان نموذجًا مختلفًا يقوم على الموقع الجغرافي والطاقة والربط الإقليمي.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي لأذربيجان نحو 75.9 مليار دولار في عام 2025، بينما تواصل تنفيذ استراتيجية «أذربيجان 2030» لتنويع الاقتصاد عبر الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، والنقل، والسياحة.

ويظل ممر الغاز الجنوبي أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية، إذ ينقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا عبر جورجيا وتركيا. ولم يعد هذا المشروع مجرد بنية تحتية للطاقة، بل أصبح ركيزة لأمن الطاقة الأوروبي ومنصة استثمارية واسعة.

كما عزز موقع أذربيجان على الممر الأوسط دورها كمركز لوجستي يربط آسيا بأوروبا، وهو ما وسّع فرص الاستثمار في النقل والخدمات وسلاسل الإمداد، ورسخ مكانتها بوصفها أحد أهم مراكز الربط الاقتصادي في منطقة القوقاز.

لمحة عن بقية المنطقة

تواصل قيرغيزستان تحسين مؤشراتها الاقتصادية من خلال الإصلاحات الهيكلية والاستثمار في التعدين والطاقة الكهرومائية، مع توقعات بتحسن تصنيفها الائتماني.

وتحافظ تركمانستان على نهجها التدريجي في جذب الاستثمارات الأجنبية، مع بقاء قطاع الغاز الطبيعي المحرك الرئيسي لاقتصادها.

أما أوزبكستان فتواصل تنفيذ إصلاحات واسعة لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمار الأجنبي، بينما تجذب طاجيكستان اهتمامًا متزايدًا بفضل إمكاناتها في الطاقة الكهرومائية والتعدين.

وفي القوقاز، تستفيد جورجيا من دورها كممر تجاري بين أوروبا وآسيا ومن بيئة أعمال تنافسية، فيما تواصل أرمينيا جذب الاستثمارات في قطاعي التكنولوجيا والخدمات رغم التحديات الإقليمية.

التقييم النهائي

انطلاقًا من متابعتي المستمرة للمنطقة وتحليل مؤشراتها الاقتصادية، أرى أن آسيا الوسطى والقوقاز لا تشهدان مجرد دورة اقتصادية جديدة، بل تحولًا استراتيجيًا يعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي.

فالمنافسة اليوم لم تعد تقتصر على امتلاك الموارد الطبيعية، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على توفير بيئة أعمال مستقرة، وحوكمة فعالة، وبنية تحتية متطورة، ورؤية اقتصادية بعيدة المدى.

وتقود كازاخستان وأذربيجان هذا التحول بفضل حجمهما الاقتصادي، وموقعيهما الاستراتيجيين، ونجاحهما في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، بينما تمتلك بقية دول المنطقة فرصًا واعدة إذا واصلت الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.

ورغم استمرار تحديات مثل الاعتماد على صادرات الطاقة، وتقلب أسعار السلع الأساسية، والمخاطر الجيوسياسية، فإن التنويع الاقتصادي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية وجذب الاستثمارات المستدامة.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن آسيا الوسطى والقوقاز لم تعودا على هامش الاقتصاد العالمي، بل أصبحتا جزءًا متزايد الأهمية من خريطة الاستثمار الدولية.

ومع استمرار الإصلاحات وتعزيز بيئة الأعمال، قد تتحولان خلال العقد المقبل إلى إحدى أبرز وجهات رأس المال المؤسسي على مستوى الأسواق الناشئة.

زر الذهاب إلى الأعلى