كازاخستان

من الطموح إلى التنفيذ كازاخستان تطلق أكبر مشروع طاقة رياح في تاريخها

بقلم: عبد الحميد حميد الكبي

لسنوات طويلة، تابعتُ عن كثب التحولات في وسط آسيا، ورأيتُ كيف تسعى دول المنطقة للخروج من عباءة الطاقة التقليدية نحو مستقبل أكثر استدامة. وفي هذا السياق، تقف كازاخستان اليوم كأكثر دول المنطقة طموحاً وتقدماً نسبياً. ووفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، حققت دول المنطقة بعض النجاحات بين عامي 2015 و2024، إلا أن الوقود الأحفوري لا يزال يسيطر. وفي عام 2023، تجاوزت قدرة مصادر الطاقة المتجددة 17.3 غيغاواط، وهو ارتفاع ملحوظ.

حيث تتميز كازاخستان بأنها حددت هدف الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060، وقد نجحت في جذب استثمارات كبيرة في الطاقة الشمسية والرياح. ووفقاً لوزارة الطاقة، بلغت حصة الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة 6.43% بنهاية عام 2024 (مقارنة بـ3% في 2020)، مع نمو تدريجي واضح في السنوات الأخيرة. وتضاعفت القدرة المركبة أكثر من 17 مرة خلال العقد الماضي، لتصل إلى نحو 3,082 ميغاواط.

 

تهدف الحكومة الكازاخستانية إلى الوصول إلى 15% بحلول عام 2030 من خلال عشرات المشاريع الجديدة. وعلى هامش قمة البيئة الإقليمية (RES-2026) في أستانا، أعلن تورار أليمجان، مدير إدارة مصادر الطاقة المتجددة في وزارة الطاقة، عن مشروع مزرعة رياح بقدرة 500 ميغاواط في منطقة كاراغاندا باستثمارات صينية، من المقرر أن تدخل الخدمة قبل عام 2029. كما توجد دراسة لمشروع أكبر بقدرة 1 غيغاواط في منطقة بافلودار. غير أن هذه المشاريع تبدو الآن مجرد مقدمة لقفزة نوعية حقيقية.

ففي 29 يونيو 2026، أطلقت كازاخستان رسمياً أعمال بناء أكبر مزرعة رياح في تاريخها: محطة بقدرة 1 غيغاواط في منطقة جامبيل الجنوبية، بتكلفة 1.4 مليار دولار، بقيادة شركة “مصدر” الإماراتية. أعلنت وزارة الطاقة الكازاخستانية ذلك عقب مراسم وضع حجر الأساس الرسمي، التي أقيمت عبر مؤتمر فيديو يربط بين أستانا وموقع المشروع في جامبيل.

حضر المراسم نائب وزير الطاقة سونغات يسيمخانوف، ورئيس مجلس إدارة صندوق “سامروك-كازينا” نورلان زاكوبوف، والرئيس التنفيذي لشركة مصدر محمد جميل الرمحي. يعكس هذا الحدث الافتراضي، الذي جمع قادة رفيعي المستوى من الجانبين الكازاخستاني والإماراتي، جدية الشراكة وعمقها الاستراتيجي، ويؤكد على مستوى عالٍ من التنسيق بين الطرفين في تنفيذ المشروع.

ووفقاً للوزارة، من المتوقع أن يساهم المشروع البالغة تكلفته 1.4 مليار دولار في معالجة نقص الكهرباء في المناطق الجنوبية من البلاد، وتعزيز تطوير الطاقة المتجددة، ودعم أجندة الحياد الكربوني طويلة الأمد.

وقال نائب الوزير يسيمخانوف: “إن الشراكة مع مصدر تساهم في تطوير الطاقة المتجددة وتعزز تقدم كازاخستان نحو الحياد الكربوني. سيُعزز هذا المشروع الأمن الطاقي الإقليمي ويُدخل تقنيات متقدمة في قطاع الطاقة المتجددة. نحن نقدر عالياً رغبة شركائنا في الاستثمار في التنمية المستدامة للبلاد، وسوف نقدم كل الدعم اللازم لتنفيذ جميع مراحل المشروع بنجاح.”

يتميز المشروع بخاصية تكنولوجية رئيسية: دمج توليد الطاقة الرياح مع نظام تخزين طاقة بطارية صناعي كبير الحجم (BESS) بقدرة 300 ميغاواط وسعة تخزين 600 ميغاواط ساعة. من المتوقع أن يحسن هذا النظام موثوقية الشبكة الكهربائية، ويضمن إمدادات مستقرة رغم تقلبات الرياح، ويساعد في إدارة الطلب خلال فترات الذروة المسائية.

من بين المستثمرين في التحالف: مصدر بحصة 40%، وW Solar بحصة 40%، والشركة الكازاخستانية Qazaq Green Power (التابعة لصندوق سامروك-كازينا) بحصة 18%، وصندوق تنمية الاستثمار في كازاخستان (KIDF) بحصة 2%.

وفي اليوم نفسه، وقعت مصدر اتفاق خريطة طريق مع وزارة التنمية الرقمية لاستكشاف حلول الطاقة النظيفة الداعمة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. هنا تظهر البُعد الاستراتيجي الحقيقي للشراكة، حيث تسعى كازاخستان لبناء اقتصاد رقمي حديث يعتمد على طاقة موثوقة ومستدامة. وتمتلك مصدر، التي تملك محفظة تتجاوز 65 غيغاواط وتطمح للوصول إلى 100 غيغاواط بحلول 2030، خبرة عالمية ورأس مال طويل الأجل تقدمهما لأستانا.

كمتابع للمنطقة، أرى في هذا المشروع خطوة جريئة تستحق التقدير، لكنه يحمل تحديات لا يمكن تجاهلها. إيجابياً، يعزز المشروع الأمن الطاقي، وينقل تقنيات حديثة، ويفتح الباب أمام استثمارات مستقبلية. والاعتماد على الاستثمارات الأجنبية (الإماراتية والصينية) يجلب مزايا كبيرة في التمويل والخبرة، لكنه يتطلب إدارة حكيمة لضمان التوازن بين المصالح المشتركة والأولويات الوطنية طويلة الأمد.

يمنح الموقع الجغرافي لجامبيل أهمية استراتيجية كبيرة قرب الحدود الجنوبية، مما يساعد في تغطية الطلب المحلي. وفي الواقع، يلعب الموقع الجغرافي الشاسع لكازاخستان، بمناطقها الغنية بالرياح ومساحاتها الواسعة المناسبة لمشاريع الطاقة الشمسية، دوراً حاسماً في جعل الطاقة المتجددة خياراً استراتيجياً للبلاد. هذه المزايا الطبيعية لا تعالج النقص في الطاقة فحسب، بل تساهم أيضاً في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية.

ومن العوامل التي تعزز ثقة المستثمرين الإصلاحات الدستورية التي أُقرت عبر الاستفتاء الدستوري في 15 مارس من العام الماضي، والتي تمثل نقلة نوعية في تعزيز الاستقرار السياسي والمؤسسي.

تُعتبر كازاخستان اليوم أبرز دول وسط آسيا من حيث وضوح الرؤية والاستقرار، وهي ترسل إشارات إيجابية قوية للشركات والمستثمرين الأجانب حول سلامة الاستثمار طويل الأمد.

من متابعتي لتجارب دول المنطقة، بما فيها أذربيجان، أرى أن نجاح مشاريع الطاقة المتجددة لا يعتمد على حجم الاستثمارات فقط، بل على قدرة الدولة على توطين الخبرات، وتطوير الصناعات المساندة، وتحديث شبكات الكهرباء وأنظمة التخزين. ورغم التقدم الذي أحرزته كازاخستان، فإن مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء لا تزال متواضعة، مما يعني أن تحقيق أهداف 2030 يتطلب استمرار الاستثمار في البنية التحتية إلى جانب بناء القدرات الوطنية.

بيئياً، من المتوقع أن يساهم المشروع في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 2.5 مليون طن سنوياً، مما يدعم الأهداف المناخية الوطنية. ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجاري الكامل للمجمع في الربع الثالث من عام 2029.

ورغم كل هذه التحديات، يظل مشروع جامبيل والشراكة مع مصدر مؤشراً إيجابياً قوياً على رغبة كازاخستان في تحول حقيقي. تحاول البلاد بناء نموذج تنموي يربط بين الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي والأمن البيئي. الطريق طويل ومليء بالعقبات، لكنه قابل للتحقيق إذا استطاعت أستانا تحويل هذه الطموحات إلى واقع ملموس يخدم شعبها والمنطقة بأسرها.

أتابع هذا الملف باهتمام كبير، لأن نجاح هذا المشروع لن يمثل إنجازاً لكازاخستان وحدها فحسب، بل قد يشكل نموذجاً لتحول الطاقة في جميع أنحاء وسط آسيا. وإذا نجحت أستانا في تنفيذ المشروع وفق الجدول الزمني المعلن، فإنها تكون قد انتقلت فعلياً من مرحلة الطموحات إلى مرحلة التنفيذ.

كاتب رأي متخصص في شؤون وسط آسيا وأذربيجان

زر الذهاب إلى الأعلى