ألماتي وأستانا تحافظان على الريادة الاقتصادية ومدن آسيا الوسطى تسعى للحاق بالركب

عبدالحميد حميد الكبي
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى
في خريطة آسيا الوسطى الاقتصادية المتغيرة، تبرز ألماتي وأستانا كمركزين راسخين بنيا مكانتهما على مدى عقود من التراكم في البنية التحتية المالية والتجارية والنظم البيئية للشركات. ليستا مجرد مدينتين كبيرتين، بل محوران يستفيدان من قاعدة اقتصادية وطنية أوسع توفر لهما قدرة أكبر على تمويل التنمية الحضرية ودعم النشاط التجاري. ومع ذلك، فإن بيشكيك وطشقند لا تقفان مكتوفتي الأيدي؛ فهما تسعيان للحاق بالركب عبر معدلات نمو أسرع وخطط توسع طموحة، ما يخلق منافسة صحية قد تؤدي في النهاية إلى اقتصاد إقليمي أكثر ترابطاً وتنافسية.
حيث تحتل ألماتي وأستانا موقعاً متقدماً بفضل النطاق الاقتصادي والبنية التحتية المالية الراسخة. جمعت ألماتي منذ زمن طويل بين الوظائف التجارية والسياسية، وأثبتت نفسها كمركز أعمال رائد في المنطقة. وبعد أن أصبحت أستانا العاصمة، طورت المدينتان أدواراً أكثر تكاملاً؛ فظلت ألماتي المركز التجاري والمالي الرئيسي، بينما اكتسبت أستانا ثقلاً سياسياً ومؤسسياً وشركاتياً.
لذلك تظهر الأرقام المحدثة أن اقتصاد أستانا نما بنحو 10% في عام 2025، في حين سجلت ألماتي نمواً بنحو 5%. وحققت المدينتان معاً ما يقرب من 107 مليارات دولار من الناتج الاقتصادي في العام الماضي. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ فهي تعكس ثقل كازاخستان الأوسع، الذي يمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لآسيا الوسطى وما يقرب من ثلثي مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى المنطقة. هذا الحجم يمنح المدينتين قدرة مالية أكبر على تمويل البنية التحتية والتنمية الحضرية، ويدعم بدوره النشاط التجاري المستمر. كما تتمتع كازاخستان بأسواق رأس المال الأكثر تطوراً في المنطقة، عبر بورصة كازاخستان في ألماتي ومركز أستانا المالي الدولي وبورصة أستانا الدولية، ما يوفر للشركات وصولاً إلى تمويل الأسهم والديون والمستثمرين المؤسسيين بمستوى غير متاح حالياً في أماكن أخرى. وكازاخستان هي الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي تتمتع بتصنيف سيادي استثماري، ما يساهم في خفض علاوة المخاطر وتكاليف التمويل مقارنة بالأسواق الإقليمية ذات التصنيف الأقل.
بيشكيك تأتي في مقدمة المدن الساعية للحاق لقد سجلت العاصمة القيرغيزية نمواً حقيقياً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 15.8% في عام 2024، وهو معدل أعلى بكثير من نمو أستانا وألماتي. هذا الرقم يعكس ديناميكية ملحوظة، لكنه يأتي من قاعدة اقتصادية أصغر بكثير. تتميز بيشكيك بمعدل ضريبة أرباح الشركات المنخفض نسبياً (10%) مقارنة بجيرانها، إلى جانب قاعدة طاقة تعتمد في الغالب على المصادر الكهرومائية، ما يوفر بيئة منخفضة الكربون نسبياً مع إمكانات تطوير إضافية. ومع ذلك، يواجه هذا المسار تحديات مثل النقص الموسمي في الكهرباء، بالإضافة إلى حجم اقتصادها الأصغر وسوقها المحلية الأضيق، ما يحد من قدرتها على تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى بسهولة.
تحليل الأرقام يظهر مفارقة واضحة بيشكيك تنمو بمعدل أسرع (15.8%) مقارنة بنمو أستانا (حوالي 10%) وألماتي (حوالي 5%)، لكن الفجوة في الحجم الاقتصادي تظل كبيرة. الناتج المشترك لألماتي وأستانا البالغ نحو 107 مليارات دولار يعكس قاعدة راسخة يصعب تجاوزها بسرعة. حتى مع استمرار بيشكيك في تسجيل معدلات نمو مرتفعة، فإن حجمها الأصغر يعني أنها تحتاج إلى سنوات طويلة من النمو المتفوق المستمر لتقترب من نطاق المدينتين الكازاخستانيتين. التوسع الإداري والجغرافي لبيشكيك، مع خطط طويلة الأمد لتنمية المناطق الجديدة وتطوير شبكات المياه والبنية الاجتماعية، يهدف إلى استيعاب نمو سكاني كبير، لكن القاعدة الاقتصادية المحدودة تظل قيداً أساسياً أمام منافسة المراكز الأكبر على المدى القريب.
أما طشقند، فإن النمو السكاني يهدد بأن يتحول إلى عبء إذا لم تواكب البنية التحتية في الإسكان والنقل والخدمات هذا التحول، مما يثير التساؤل حول قدرة أوزبكستان على تعبئة الاستثمارات المستدامة اللازمة لمنع هذا التحول الديموغرافي من الضغط على الموارد والقدرات الاقتصادية. لكن طموح طشقند يفتح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاوزها. فالنمو السكاني والحضري الكبير لا يتحول تلقائياً إلى قوة اقتصادية؛ المطلوب هو رأس المال، والبنية التحتية، وإصلاح سوق العمل ، وبناء مؤسسات قادرة على تحويل الحجم إلى إنتاجية. طشقند لا تحتاج إلى الدفاع عن نفسها بالكلمات؛ الأرقام هي التي ستحدد ما إذا كانت قادرة على تحويل حجمها السكاني والاقتصادي إلى قوة تنافسية حقيقية.
فهل يتحول هذا النمو إلى إنتاجية أعلى، أم يتحول تدريجياً إلى ضغط على الإسكان والنقل والخدمات؟ وهل تستطيع المدينة جذب رأس المال طويل الأجل بالحجم الذي يتطلبه توسعها؟ وهل تتطور أسواق رأس المال والمؤسسات بالسرعة نفسها التي تتوسع بها المدينة؟ والأهم، هل تستطيع تقليص الفجوة مع ألماتي وأستانا، أم أن الحجم السكاني والاقتصادي وحده لا يكفي لصناعة مركز إقليمي منافس؟ وينطبق الاختبار نفسه على طموح مركز طشقند المالي الدولي. فالتحدي الأكبر أمام أي مركز مالي دولي لا يكمن في موقعه أو امتيازاته الضريبية فقط، بل في مدى استقلال مؤسساته التنظيمية والقضائية وقدرتها على إقناع المستثمر الدولي بأن قواعد السوق ستظل مستقرة وقابلة للتنبؤ. والمنافسة مع مركز أستانا المالي الدولي لن تُحسم بمجرد إنشاء إطار قانوني أو منطقة مالية جديدة، وإنما بقدرة طشقند على بناء الثقة، وتراكم المؤسسات، واستقطاب المستثمرين والشركات على المدى الطويل
وهنا يصبح السؤال الحقيقي هل تستطيع طشقند بناء منظومة مالية تنافس ما راكمته أستانا، أم أن الوصول إلى هذا المستوى يحتاج إلى سنوات من التراكم المؤسسي لا يمكن اختصارها بالطموح وحده؟ وهناك عامل آخر قد يحدد قدرة طشقند على تحويل حجمها الاقتصادي إلى ميزة تنافسية: كفاءة البيئة البيروقراطية. فحجم السوق وحده لا يكفي إذا واجه المستثمر إجراءات طويلة أو تعدد الجهات أو بطء اتخاذ القرار.
وكلما توسعت المدينة وارتفعت حاجتها إلى رأس المال الخاص، أصبحت سرعة التراخيص ووضوح القواعد وسهولة التعامل مع المؤسسات الحكومية جزءاً من القدرة التنافسية نفسها. لذلك، فإن نجاح طشقند لن يعتمد فقط على حجم اقتصادها أو عدد سكانها، بل أيضاً على قدرتها على تقليل الاحتكاك الإداري وتحويل الإصلاح المؤسسي من إعلان إلى تجربة عملية يشعر بها المستثمر.
لذلك انخفاض تكاليف التشغيل في بيشكيك قد يساعدها على جذب استثمارات في قطاعات مختارة، مستفيدة من ميزة الطاقة الكهرومائية، لكن الأرقام تؤكد أن ألماتي وأستانا تدخلان هذه المرحلة بمزايا تراكمية واضحة من الناتج الاقتصادي المشترك والبنية المالية وشبكات الشركات والوصول إلى قاعدة الموارد الأوسع في كازاخستان.
اعتقد ان الخريطة الاقتصادية لآسيا الوسطى تتغير فعلاً، والنتيجة الأكثر ترجيحاً ليست بالضرورة أن تحل مدينة محل أخرى، بل نشوء اقتصاد إقليمي أكثر قدرة على المنافسة والترابط. تدخل ألماتي وأستانا هذه المسابقة بمزايا بنيوية راسخة مدعومة بأرقام نمو مستقرة وحجم اقتصادي كبير، بينما تسعى بيشكيك إلى استغلال معدل نموها الأعلى لتعويض الفارق في الحجم.
في النهاية، لا تتعلق المنافسة بتفوق مدينة على أخرى بقدر ما تتعلق بقدرة المراكز الحضرية الكبرى في المنطقة على تحويل الحجم الاقتصادي المتزايد إلى إنتاجية أعلى واتصال أقوى وقدرة تنافسية دولية أكبر. ويبقى النجاح الحقيقي مرهوناً بالاستمرارية والإصلاحات العملية أكثر من الوعود الطموحة وحدها، كما تؤكد الأرقام الحالية للثلاث مدن.












