تركمانستان والذكاء الاصطناعي: خطوات هادئة نحو التحول الرقمي

عبد الحميد حميد الكبي
أتابع تحولات آسيا الوسطى منذ سنوات، وأرى كيف تحاول دول المنطقة الخروج من دائرة الاقتصاد القائم على الموارد الطبيعية.
تركمانستان تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا؛ فهي لا تتحدث كثيرًا، لكنها تتحرك بهدوء نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
بالنسبة لي، ليس الذكاء الاصطناعي هنا مجرد أدوات تقنية جديدة، بل محاولة لإعادة تشكيل بعض أعمدة الدولة، خاصة في الزراعة والطاقة والإدارة.
سأحاول في هذا المقال قراءة ما يجري على الأرض، مع بعض التوقعات الواقعية.
تُعد العاصمة عشق آباد المركز الرئيسي لهذه الجهود، إذ يتركز الاهتمام على قطاعي الزراعة والطاقة، وهو اختيار منطقي بالنسبة لبلد يعتمد على الغاز والأرض.
حيث تعتمد هذه الجهود على شراكات دولية مع هواوي ومايكروسوفت وغيرهما، بينما تقود الأكاديمية التركمانية للعلوم ومركز التكنولوجيا الجانب البحثي.
الأرقام لا تزال متواضعة: صفر براءات اختراع، واستثمارات محدودة، ومنشورات بحثية قليلة. لكن هذا طبيعي في مرحلة البداية. المهم أن هناك مشاريع فعلية على الأرض، مثل تجربة نظام Smartclass في التعليم، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الاستكشاف النفطي مع شركة دراغون أويل، بالإضافة إلى تطوير منصات تعليمية محلية. ولا ينبغي تقييم التجربة من خلال هذه المؤشرات وحدها.
أهمية البرنامج الوطني 2026-2028
في أكتوبر 2025 اعتمد الرئيس سردار بردي محمدوف مفهوم تطوير الاقتصاد الرقمي، ثم جاء البرنامج الحكومي في يناير 2026. هذا ليس وثيقة روتينية، بل يمثل تحولًا من مرحلة الأتمتة إلى مرحلة أعمق في استخدام الذكاء الاصطناعي.
أتوقع أن نرى خلال السنتين القادمتين تركيزًا أكبر على مشاريع تجريبية في اللوجستيات والري والتنبؤ في قطاع الغاز. وسيكون ذلك نقطة تحول حقيقية إذا نجحت الدولة في جذب وتدريب كفاءات محلية.
أركاداغ النموذج الحي
مدينة أركاداغ هي أبرز تجسيد لهذا الطموح. مدينة جديدة مبنية من الصفر تعتمد على تقنيات ذكية ومركبات كهربائية وأنظمة إدارة حديثة. بالنسبة لي، أركاداغ ليست مجرد مشروع عمراني، بل تجسد رسالة مفادها أن تركمانستان تسعى إلى بناء مستقبلها بطريقتها الخاصة.
لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي. إذا نجحت في دمج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، فستصبح نموذجًا يُحتذى به. وإلا فستكشف حدود القدرة على التنفيذ.
التعاون الدولي والتعليم
تواصل تركمانستان توسيع تعاونها الدولي عبر اجتماعات مع OpenAI، وشراكات مع اليابان واليونسكو، وندوات مع برنامج الأمم المتحدة. وفي العام الدراسي القادم ستُفتح تخصصات جديدة في الذكاء الاصطناعي. خطوة مهمة، لكنها تحتاج وقتًا حتى تُنتج جيلاً قادرًا على الابتكار.
من وجهة نظري، تسلك تركمانستان طريقًا واقعيًا. اختيارها التركيز أولًا على الطاقة والزراعة قرار منطقي، لكن طبيعة نموذجها الاقتصادي قد تجعل الابتكار يتقدم بوتيرة تدريجية.
أتوقع تقدمًا ملحوظًا في التطبيقات العملية خلال السنوات الثلاث القادمة، خاصة في إدارة الموارد المائية والتنبؤ بالإنتاج النفطي. أما الابتكار الأصيل فسيبقى محدودًا إلا إذا أُعطي الشباب مساحة أكبر للتجربة.
تركمانستان بدأت رحلة مهمة نحو التحديث الرقمي. الإرادة السياسية موجودة، والشراكات تتطور. لكن النتيجة ستعتمد على قدرة النظام على بناء كفاءات محلية وإعطاء مساحة للتفكير داخل إطار الدولة.
السنوات القادمة ستكون حاسمة. إما أن تصبح تركمانستان قصة نجاح هادئة في آسيا الوسطى، أو تكتفي بتطبيق تقنيات مستوردة. أرجح أن تميل الكفة نحو السيناريو الأول، لكن ذلك يتطلب استمرارية الإصلاحات وبناء القدرات الوطنية.
كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان













