الصين

الصين تسرّع تحولها من عملاق في التصدير إلى عملاق في الشراء

بقلم: تشنغ خه، رئيسة تحرير في قسم الأعمال العالمية بشبكة CGTN.

عاد الفائض التجاري الضخم للصين إلى واجهة الانتقادات مجدداً، إذ يرى البعض أن آلة التصدير الصينية تغمر الأسواق العالمية بالسلع، وتفرض ضغوطاً على الشركات المصنعة في دول أخرى.

ولا تخلو هذه المخاوف من أساس، بالنظر إلى الحجم الهائل للصادرات الصينية. لكن التركيز على الصادرات وحدها، أو حتى على الميزان التجاري للسلع، لا يقدم صورة كاملة عن دور الصين في الاقتصاد العالمي.

فالصين ليست مصنع العالم فحسب، بل هي أيضاً واحدة من أكبر أسواقه.

ففي عام 2025، استوردت الصين سلعاً بقيمة 18.5 تريليون يوان (2.6 تريليون دولار)، لتكون ثاني أكبر مستورد للسلع في العالم للعام السابع عشر على التوالي، وفقاً للبيانات الرسمية الصينية. كما تعد الصين سوقاً رئيسية لصادرات نحو 80 دولة. وخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، ارتفعت واردات الصين بنسبة 22 بالمائة على أساس سنوي، متجاوزة بذلك نمو صادراتها

ولا يعكس ذلك فقط التطور الطبيعي للاقتصاد الصيني، بل يرتبط أيضاً بجهود متزايدة على مستوى السياسات الاقتصادية لإعادة التوازن إلى نموذج النمو.

فالفائض التجاري الضخم لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد يتمتع بالتوازن الأمثل، والصين تدرك ذلك.

ويعكس الفائض التجاري الصيني في السلع قدرة تنافسية حقيقية. فالشركات الصينية قادرة على إنتاج طيف واسع من السلع، من السيارات الكهربائية والبطاريات إلى الآلات والإلكترونيات، بأسعار تلقى قبولاً لدى المستهلكين في مختلف أنحاء العالم. وأصبحت القوة التصنيعية واحدة من أهم المزايا الاقتصادية التي تتمتع بها الصين.

لكن الفائض التجاري له أيضاً تكاليفه، ولا يمكن اعتباره في حد ذاته مؤشراً على سلامة الاقتصاد أو توازنه.

محطة حاويات هوايآن في مقاطعة جيانغسو في الصين، 20 أغسطس 2026. /VCG

وتظهر البيانات الرسمية أن العاملين في الشركات الصينية عملوا في المتوسط 48.6 ساعة أسبوعياً في عام 2025. وحتى مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات في أساليب القياس والإحصاء، فإن هذا الرقم يشير إلى ساعات عمل أطول بكثير مما هو عليه في العديد من الاقتصادات المتقدمة. وتظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن عدد ساعات العمل الفعلية سنوياً يتراوح في دول مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة بين نحو 1300 و1800 ساعة.

ومع ذلك، لا يزال الناتج الذي تحققه الصين لكل ساعة عمل أقل بكثير من مستويات الاقتصادات المتقدمة. وهذه المفارقة كاشفة: فقد نجحت الصين في بناء قدرة تصنيعية هائلة، لكن لا يزال أمامها مجال واسع لرفع إنتاجية الاقتصاد، ورفع دخول العاملين، وتعظيم القيمة التي يحققها كل ساعة عمل.

وهذا هو نقطة أساسية في مسار إعادة التوازن الاقتصادي.

فإذا توسعت القدرات الإنتاجية بوتيرة أسرع بكثير من الطلب المحلي، ستحتاج الشركات بصورة متزايدة إلى البحث عن أسواق خارجية لاستيعاب إنتاجها.

وبالنسبة إلى الصين، لا يتمثل الهدف الأمثل بالضرورة في خفض الصادرات، بل في تعزيز الطلب المحلي بالتوازي مع الحفاظ على قوة الصادرات.

وهناك تمييز مهم آخر غالباً ما يغيب عن النقاش حول الفائض التجاري، وهو الفرق بين تجارة السلع وتجارة الخدمات.

فقد تحقق الصين فائضاً ضخماً في تجارة السلع، لكنها لا تزال تسجل عجزاً كبيراً في تجارة الخدمات. وفي عام 2025، بلغ إجمالي تجارة الخدمات في الصين 8.08 تريليون يوان، إذ تجاوزت قيمة الواردات، البالغة 4.46 تريليون يوان، الصادرات التي بلغت 3.63 تريليون يوان، بفارق نحو 829 مليار يوان.

صورة أرشيفية لمعرض للسلع المخصصة للتصدير في مركز غلوبال هاربور، شنغهاي، الصين، 10 مايو 2025. /VCG

ومع ارتفاع دخول الأسر الصينية، من المرجح أن يزداد طلب المستهلكين على خدمات عالية الجودة، بدءاً من السفر والترفيه ووصولاً إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية والمهنية. ومن ثم، يمكن أن يؤدي تعزيز الاقتصاد المحلي إلى زيادة واردات الخدمات، إلى جانب زيادة واردات السلع.

وهذا مهم لأن التجارة الدولية ليست لعبة محصلتها صفر. فواردات الصين تفتح أسواقاً أمام الشركات والعمال في دول أخرى، تماماً كما تتيح الصادرات الصينية للمستهلكين في الخارج الوصول إلى منتجات تنافسية.

ويتمثل التحدي الذي تواجهه الصين الآن في الانتقال من اقتصاد يتمتع بكفاءة استثنائية في الإنتاج والتصدير إلى اقتصاد يتمتع بالكفاءة نفسها في توليد الدخل وتعزيز الاستهلاك والاستثمار داخل السوق المحلية.

والأمر الإيجابي هو أن هذا التحول يتسارع.

فقد جعلت الصين تعزيز الطلب المحلي أولوية رئيسية في أحدث مخططاتها الاقتصادية. وفي إطار الخطة الخمسية الخامسة عشرة، تستهدف الصين رفع إجمالي مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية إلى 60 تريليون يوان بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 50 تريليون يوان في عام 2025.

ويتمثل أحد المحاور الرئيسية لهذه الاستراتيجية في تعزيز قدرة الأسر على الاستهلاك، من خلال زيادة دخولها من العمل ومن عوائد الأصول على حد سواء، وتحقيق الاستقرار في سوق العقارات، وتعزيز منظومة الضمان الاجتماعي. وتندرج هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع يركز على «الاستثمار في الإنسان» باعتباره وسيلة لتعزيز الطلب المحلي.

وتسعى بكين بشكل متزايد إلى الاستفادة من السوق الاستهلاكية الصينية، التي تضم 1.4 مليار نسمة، ليس فقط لدعم المنتجين ومقدمي الخدمات المحليين، بل أيضاً لفتح المزيد من الفرص أمام الشركات والاقتصادات الأجنبية الراغبة في الانخراط في السوق الصينية.

لقد أمضت الصين عقوداً في بناء مكانتها كعملاق عالمي في التصدير. أما التحدي التالي، فهو أن تصبح أيضاً عملاقاً في الشراء.

وقد يسهم هذا التحول، في نهاية المطاف، في تحقيق توازن أفضل ليس للاقتصاد الصيني فحسب، بل لنظام التجارة العالمي بأسره.

زر الذهاب إلى الأعلى