جبهة رقابية لضبط «لصوص السلع التموينية»

لم تعد محاولات تهريب المواد التموينية المدعومة إلى خارج الكويت مجرد حالات فردية مرتبطة بمركبات تعبر المنافذ، بعدما كشفت الضبطيات المتلاحقة خلال الفترة من 2024 إلى 2026 عن مسارات أكثر تنظيماً تبدأ أحياناً من تجميع السلع وتخزينها وإعادة تعبئتها، وتنتهي بمحاولة إخراجها عبر الشاحنات والمنافذ الحدودية.
وفي مواجهة هذه الأساليب للتهريب، اتسعت دائرة الرقابة لتمتد من مراقبة المخازن ورصد شبكات التهريب في الداخل وتشديد التفتيش على المنافذ، بالتوازي مع إجراءات حكومية لتقنين الصرف وتتبع حركة الدعم. وأعادت أحدث عملية ضبط في أغسطس الجاري ملف تهريب التموين إلى الواجهة، بعدما تمكن مفتشو الإدارة العامة للجمارك في إدارتي جمارك الصليبية وشبرة الخضار من إحباط محاولة تهريب كميات كبيرة ومتنوعة من المواد التموينية، كانت مخبأة داخل شاحنات نقل تجاري متجهة إلى جمهورية مصر العربية.
وأسفرت عمليات التفتيش عن ضبط الشاحنات والمواد المخالفة، وتحرير محاضر الضبط، وإحالة الواقعة والمخالفين إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية، في عملية تعكس انتقال محاولات التهريب من الكميات المحدودة إلى الاستفادة من وسائل النقل التجاري لإخفاء المواد ضمن شحنات متجهة إلى الخارج.
مسار متكرر
والضبطية الأخيرة ليست منفصلة عن سلسلة عمليات شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية. ففي مايو 2026 أحبطت الجمارك محاولة تهريب شحنة كبيرة من المواد التموينية المدعومة والمحظور تصديرها عبر منفذ السالمي، وصودرت المضبوطات وسلمت إلى وزارة التجارة.
وقبل ذلك بأشهر، قادت ضبطية في يناير 2026 إلى كشف مسار أوسع للتهريب، بعدما أحال مفتشو منفذ السالمي مركبة مغادرة عُثر بداخلها على مواد مدعومة مخبأة، لتقود التحريات إلى مستودع تديره شبكة تعمل على تجميع المواد التموينية وتجهيزها للبيع والتهريب إلى خارج البلاد.
كما شهد منفذ السالمي في ديسمبر 2025 إحباط محاولة أخرى لتهريب كميات كبيرة، فيما جاء ذلك عقب تكليفات حكومية في نوفمبر من العام نفسه بتشديد الرقابة ومنع خروج السلع التموينية المدعومة عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.
وتكشف ضبطية أكتوبر 2024 عن حجم آخر للظاهرة، إذ تمكن قطاع الأمن الجنائي من ضبط تشكيل عصابي بحوزته نحو 22 طناً من المواد التموينية المدعومة، شملت الأرز والسكر والحليب، كانت مخزنة ومجهزة تمهيداً لنقلها وتهريبها إلى الخارج، لتشكل واحدة من أبرز الضبطيات المعلنة خلال الفترة محل الرصد.
وتوضح طبيعة العمليات أن وسائل التهريب لا تسير بنمط واحد؛ إذ تراوحت بين مركبات تحمل مواد مخبأة، وشاحنات تجارية، ومستودعات تستخدم كنقاط لتجميع الكميات وإعدادها قبل النقل. كما تعتمد بعض الأساليب على تفريغ المواد المدعومة، ومنها الأرز والحليب والزيوت، وإعادة تعبئتها داخل أكياس أو عبوات تجارية مختلفة لإخفاء مصدرها الحقيقي عن مفتشي المنافذ.
وفي عدد من ضبطيات المنافذ البرية في السالمي والنويصيب، تراوحت الكميات في المحاولة الواحدة، وفق المعلومات المتاحة، حول 1000 علبة حليب تمويني و400 إلى 500 عبوة زيت، إلى جانب عشرات أكياس الأرز والطحين التي يصل وزن العبوة منها إلى 50 كيلوغراماً.
دوافع اقتصادية
وخلال 2025، قُدرت المضبوطات العامة بعشرات الآلاف من العبوات والسلع المختلفة وبكميات تقدر بعشرات الأطنان، بما يعكس استمرار محاولات استغلال منظومة الدعم وتحويل كميات من السلع المدعومة عن مسارها المخصص للمستفيدين.
ويظل الفارق بين السعر المدعوم داخل الكويت وسعر بيع السلعة في الأسواق الخارجية المحرك الاقتصادي الأساسي لهذه المحاولات، إذ يحول الدعم المخصص للمستحقين إلى هامش ربح غير مشروع، بما يجعل القضية مرتبطة بحماية المال العام بقدر ارتباطها بمخالفة أنظمة التصدير.
وتتضح أهمية إحكام الرقابة عند النظر إلى حجم الأموال الموجهة إلى المواد الغذائية الأساسية، إذ بلغ الدعم المقدم لها خلال النصف الأول من 2026 نحو 77.51 مليون دينار، مقابل 77.59 مليونا خلال الفترة المماثلة، لتستحوذ المواد الغذائية على %54 من الدعم المصروف.
وبين ضبط 22 طناً في مستودع واحد، ومحاولات متكررة عبر السالمي والنويصيب، وصولاً إلى شاحنات أغسطس الجاري المتجهة إلى مصر، ترسم الوقائع مسار مواجهة لم يعد يقتصر على ضبط السلعة عند الحدود، بل يمتد إلى مصدر تجميعها وحركة صرفها وطريقة إعادة تعبئتها.
وتعكس العمليات المتتالية انتقال الرقابة من التعامل مع كل واقعة بصورة منفردة إلى ملاحقة حلقات التجميع والتخزين والنقل، بما يضيق المجال أمام الشبكات التي تحاول استغلال فارق الأسعار وتحويل السلع المدعومة إلى تجارة غير مشروعة.
وتبقى حماية المواد التموينية مرتبطة بحماية دعم غذائي يبلغ نحو 156 مليون دينار خلال ستة أشهر فقط، ما يفسر تشديد الإجراءات الرقابية والقانونية لضمان بقاء هذه السلع في مسارها المخصص ووصولها إلى مستحقيها.
رقابة مشددة
في مقابل تطور أساليب التهريب، اتجهت الجهات المعنية إلى بناء طوق رقابي يبدأ من المستفيد وينتهي عند المنفذ. وتشمل الإجراءات منع تصدير أو إخراج المواد التموينية المدعومة عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية، وتشديد التفتيش على فروع التموين ومطابقة المخزون بعمليات الصرف.
كما تشمل الإجراءات ملاحقة المستودعات والأسواق التي يشتبه في تجميع السلع المدعومة أو إعادة تعبئتها فيها، بالتوازي مع تنفيذ جولات رقابية بالتعاون بين الجهات المختصة، بهدف تتبع حركة السلع ومنع وصولها إلى الأسواق الموازية أو إعادة تدويرها لأغراض تجارية.
ويواكب ذلك الاعتماد على الربط الرقمي للبطاقات التموينية عبر «هويتي» و«سهل»، وتحديث بيانات المستفيدين وتنظيم حصص الصرف، إلى جانب إجراءات تصل إلى إلغاء البطاقة التموينية ومساءلة المتورطين وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة.
القبس












