أذربيجان في 2026..ما الذي تقوله المؤشرات الاقتصادية؟

عبدالحميد حميد الكبي _ كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان
تكشف أحدث المؤشرات الاقتصادية لأذربيجان عن مرحلة انتقالية تتسم بتباين واضح: نمو محدود في القطاعات غير النفطية يقابله انكماش في قطاع الطاقة، وسط موقف مالي خارجي قوي يمنح صناع القرار مساحة للمناورة.
الأرقام المنشورة عن الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 لا تشير إلى تحول جذري، لكنها تطرح سؤالاً أساسياً عن قدرة الاقتصاد على بناء محركات نمو أكثر استدامة خارج دائرة النفط والغاز.
حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي 60.03 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، بزيادة 1.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. هذا النمو جاء بعد أداء أضعف في النصف الأول، حيث سجل الناتج ارتفاعاً بنسبة 0.8% فقط.
لذلك التسارع النسبي في الأشهر اللاحقة لم يغير الصورة الكلية؛ فقد انكمش قطاع النفط والغاز بنسبة 1.2% ليصل إلى 17.84 مليار دولار، بينما نما القطاع غير النفطي وغير الغازي بنسبة 2.6% مسجلاً 42.19 مليار دولار.
البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أبقى توقعاته دون تغيير عند 2% لعام 2026 و2.5% لعام 2027، في إشارة إلى أن المؤسسات الدولية ترى استمرارية الاستقرار أكثر مما ترى تسارعاً ملحوظاً.
على صعيد الاستثمار، ارتفع الإنفاق على الأصول الثابتة بنسبة تقارب 10.7% إلى 10.9% على أساس سنوي، مدفوعاً أساساً بقطاع النفط والغاز. في المقابل، لم يتجاوز نمو الاستثمار في القطاعات غير النفطية وغير الغازية 3.1% تقريباً. هذا التفاوت مهم. ارتفاع الاستثمار الإجمالي لا يكفي وحده للحكم على تقدم التنويع. الفارق بين نمو الاستثمار الكلي ونمو الاستثمار خارج الطاقة يطرح سؤالاً عن طبيعة الأصول التي تتوسع فيها أذربيجان، ومدى قدرتها على توليد إنتاجية وفرص عمل وصادرات جديدة. نجاح التنويع لا يُقاس بحجم الإنفاق الاستثماري فحسب، بل بمدى اتساع القاعدة الإنتاجية خارج قطاع الطاقة.
لذلم الموقف المالي يظل أحد أبرز نقاط القوة. سجلت الميزانية فائضاً يعادل نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر السبعة الأولى، وفق تقديرات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية. حقق الحساب الجاري فائضاً بنسبة 5.3% من الناتج على أساس ربع سنوي متحرك في الربع الأول. بلغت الاحتياطيات الاستراتيجية نحو 89.38 مليار دولار في الأول من أكتوبر، بزيادة سنوية 9.7%، بعد أن كانت تعادل 114% من ناتج عام 2025 في وقت سابق من العام. وانخفض الدين العام الخارجي بنسبة 7.8% ليصل إلى 4.509 مليار دولار.
هذه المؤشرات ترسم صورة لموقف مالي خارجي مريح يمنح الحكومة هامشاً واضحاً للتعامل مع تباطؤ النمو.
بلغ متوسط التضخم 5.7% خلال الأشهر التسعة، وهو مستوى قريب من الحد الأعلى للنطاق المستهدف للبنك المركزي، الذي أبقى سعر الفائدة الرئيسي عند 6.5% بعد خفض بمقدار 25 نقطة أساس في فبراير. التوقعات الرسمية تشير إلى انخفاض تدريجي محتمل في معدل التضخم خلال السنوات المقبلة، مع افتراض استمرار استقرار سعر الصرف. غير أن هذه التوقعات تبقى مرهونة بتطورات الأسعار العالمية وديناميكيات الواردات.
عند ربط هذه المعطيات، تظهر صورة متماسكة لاقتصاد يمر بإعادة توازن. الاحتياطيات المرتفعة والدين الخارجي المحدود والفائض المالي تمنح أذربيجان قدرة على احتواء آثار التباطؤ، لكنها لا تعني أن الاقتصاد أصبح أقل اعتماداً على الطاقة. النمو غير النفطي، رغم إيجابيته النسبية، لا يزال محدوداً، والاستثمار خارج قطاع النفط والغاز ينمو بوتيرة أبطأ بكثير من الاستثمار الكلي. القطاعات التي دعمت التعافي بعد انكماش الربع الأول، مثل المعلومات والاتصالات والنقل والتخزين وبعض فروع الصناعة، تظل واعدة، لكنها لم تبلغ بعد الحجم الكافي لتعويض التراجع في مساهمة الطاقة.
التوقع المنطقي في المدى القريب هو استمرار النمو المعتدل عند مستويات قريبة من توقعات البنك الأوروبي. التسارع الحقيقي سيعتمد على قدرة السياسات على توجيه جزء أكبر من الاستثمار نحو قطاعات قادرة على رفع الإنتاجية وتوسيع الصادرات غير النفطية. الاستقرار المالي يوفر الوقت، لكنه لا يخلق بمفرده ديناميكية اقتصادية جديدة.
في المحصلة، لا تكمن المسألة الأساسية أمام أذربيجان في قدرتها على الحفاظ على الاستقرار المالي خلال فترة تباطؤ النمو، بل في كيفية توظيف هذا الاستقرار لتوسيع قاعدتها الإنتاجية. فالاحتياطيات المرتفعة والدين الخارجي المحدود يمنحان الاقتصاد هامشاً للتحرك، لكنهما لا يعوضان الحاجة إلى استثمارات أكثر فاعلية في القطاعات غير النفطية.
وسيظل الاختبار الحقيقي في السنوات المقبلة هو قدرة هذه القطاعات على توليد نمو مستدام، وزيادة الإنتاجية، وتوسيع فرص العمل والصادرات. عندها فقط يصبح الاستقرار المالي قاعدةً لتنويع اقتصادي أعمق، لا مجرد وسيلة لاحتواء آثار التباطؤ.












