
نجحت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في امتصاص الصدمة الأولى لحرب إيران التي تعد أخطر أزمة جيوسياسية مرت بها المنطقة منذ عقود طويلة. ورغم تراجع معدلات النمو الاقتصادي، إلا أن دول المنطقة وظّفت ثرواتها المتراكمة لاحتواء أثر الحرب في النصف الأول من العام، كما شرع بعضها في تشكيل ملامح اقتصاد ما بعد الحرب.
وأوضحت وكالة «بلومبرغ» في تقرير أن الصناديق السيادية والمقدرة بتريليونات الدولارات لعبت دوراً محورياً في دعم اقتصادات دول مثل الإمارات وقطر والكويت.
ولفتت إلى أن الكويت شكّلت مثالاً صارخاً على ذلك، فرغم عدم قدرتها على التصدير بسبب تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، استطاعت الحكومة تمويل الاقتصاد والحفاظ على تصنيفها الائتماني بسبب ضخامة الأصول الاحتياطية لدى الصندوق السيادي.
النفط مفتاح الصمود
ورصدت «بلومبرغ» دروساً أو عوامل رئيسية ساهمت في مرونة الاقتصاد الخليجي، يحمل بعضها في طياته بذور رحلة التعافي، التي تعتمد في الأساس على إنهاء الحرب وعودة حركة الملاحة في مضيق هرمز لما كانت عليه قبل بداية الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير.
أول دروس الحرب أن النفط لم يفقد دوره المركزي في اقتصادات الخليج رغم الجهود المتفاوتة التي قامت بها دول المنطقة لتنويع موارد الدخل خلال العقدين الماضيين.
وأضاف التقرير أن السعودية استطاعت تصدير قسم كبير من نفطها يومياً من دون المرور عبر مضيق هرمز، وذلك من خلال خط أنابيب «شرق – غرب» إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما منح المملكة قدرة على تحقيق مكاسب مالية مع ارتفاع أسعار النفط ساعدتها على دعم الاقتصاد خلال ذروة الأزمة.
ويشكل النفط محور تعافي النمو أيضاً، بحسب كبيرة اقتصاديي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى بنك الاستثمار «جيفريز»علياء مبيض، إذ صرحت في حديث على «الشرق بلومبرغ»، أن توقعات البنك تشير إلى طفرة في نمو القطاع النفطي على المدى القصير، مع استعادة دول الخليج لقدراتها التصديرية تدريجياً بعد الاتفاق الموقت الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران.
تنويع موارد الدخل
مع ذلك، أظهرت الأزمة أن التأخر في تنويع موارد الدخل وتطبيق الإصلاحات الضريبية قد يكون مشكلة في حد ذاته، خصوصاً في حال حدوث أي تراجع عميق في أسعار النفط بعد انتهاء الحرب. وترى مبيض، تفاوتاً في القدرة على مواصلة الإنفاق إذا ظلت أسعار النفط في نطاق 60 إلى 70 دولاراً للبرميل، مشيرة إلى السعودية وقطر والإمارات والكويت تتمتع بقدرة أكبر على دعم النمو بفضل مواردها وثرواتها المالية.
الطلب المحلي
وأظهرت الحرب أن السوق المحلية الكبيرة قد تكون مصدراً للصمود وقت انكماش الطلب الخارجي. ففي السعودية، ساعد حجم الاقتصاد المحلي، والإنفاق الاستهلاكي، والسياحة الداخلية والدينية، على تخفيف أثر تراجع شهية الزوار الأجانب خلال ذروة الأزمة. كما لم تظهر مؤشرات ضغط واضحة على الودائع المصرفية أو التحويلات، بحسب مصرفيين تحدثوا لـ«الشرق بلومبرغ»، ما عزّز الانطباع بأن الطلب المحلي ظل قادراً على حمل جزء مهم من النشاط غير النفطي.
وترى مبيض، أن مسار التعافي سيظل مرتبطاً بمسار التهدئة، وأن السيناريو الأساسي الآن يقوم على استمرار التذبذب في علاوة المخاطر الجيوسياسية خلال فترة التفاوض وصولاً إلى اتفاق نهائي.
وبحسب «بلومبرغ»، لا يعني غياب اليقين أن دول المنطقة ستنتظر لحين انتهاء الصراع للبدء في تشكيل أولويات اقتصاد ما بعد الحرب، بل يمكن القول إن ملامح الأولويات الاقتصادية بدأت في الظهور منذ الأسابيع الأولى للصراع، وهو ما كان جلياً في الاستثمارات التي وظفتها السعودية في القطاع اللوجستي عبر إطلاق مسارات بديلة للصادارت والواردات، انطلاقاً من موانئ البحر الأحمر عبر المملكة وإلى بقية دول الخليج، حيث ارتفعت قيمة السلع المعاد تصديرها 20 % على أساس سنوي في أبريل، لتسجل أعلى قيمة شهرية منذ بدء نشر البيانات عام 2017.
كما وسّعت المملكة تخزين نفطها داخل الاحتياطي البترولي الإستراتيجي الكوري الجنوبي، في حين تدرس شركة «أرامكو» إنشاء مرافق تخزين كبرى حول العالم، لتضاف إلى ما تمتلكه الشركة حالياً.
الراي













