الهند

هل تصبح الهند قوة كبرى في صناعة الشرائح الإلكترونية؟

في خضم الاضطرابات التي تشهدها سلاسل توريد الشرائح الإلكترونية عالميا، يبرز تساؤل متزايد حول مدى قدرة الهند على أن تصبح لاعبا محوريا في هذه الصناعة الحيوية. وتمتلك الهند بالفعل قاعدة متينة في مجال تصميم الشرائح، إذ تشير تقارير إعلامية إلى أن نحو 20% من مهندسي أشباه الموصلات حول العالم يعملون فيها، ما رسخ مكانتها كمركز مهم لتصميم الشرائح لصالح كبرى الشركات العالمية.

وفي هذا السياق، شرعت الحكومة الهندية في دعم إنشاء منظومة محلية لأشباه الموصلات، مع إعطاء الأولوية في المرحلة الأولى لعمليات التجميع والاختبار والتغليف، باعتبارها أقل تعقيدا مقارنة ببناء مصانع التصنيع المتقدمة. وتمثل شركة «كينز سيميكون» أول تطبيق عملي لهذا التوجه، عقب تشغيل مصنع لها في ولاية غوجارات بدعم حكومي.

وتمر صناعة شرائح الحاسوب بعدة مراحل رئيسية، تبدأ بمرحلة التصميم، وهي مجال تمتلك فيه الهند خبرة متقدمة بالفعل. تلي ذلك مرحلة تصنيع الشرائح نفسها، حيث تُنقش الدوائر الإلكترونية على رقائق دقيقة من السيليكون باستخدام معدات عالية التكلفة داخل مصانع ضخمة تُعرف بمصانع أشباه الموصلات، وهي مرحلة تسيطر عليها شركات تايوانية في الوقت الراهن، فيما تسعى الصين إلى تقليص الفجوة.

أما المرحلة الثالثة، فتتضمن تقطيع الرقائق الكبيرة إلى وحدات أصغر، وتغليفها، وربطها بالموصلات، ثم إخضاعها للاختبارات اللازمة قبل الاستخدام. وتُعرف هذه الخطوة بمرحلة التجميع والاختبار والتغليف، وهي المجال الذي قررت الهند التركيز عليه في المرحلة الأولى من دخولها عالم أشباه الموصلات.

وفي هذا السياق، أوضح آشوك تشانداك، رئيس جمعية الهند للإلكترونيات وأشباه الموصلات، أن البدء بمرحلة التجميع والاختبار يُعد أسهل مقارنة بإنشاء مصانع تصنيع متكاملة، مشيرًا إلى أن عددًا من هذه المصانع سيبدأ الإنتاج على نطاق واسع خلال العام الجاري، في خطوة مهمة نحو بناء صناعة محلية قوية.

وشهد عام 2023 انطلاقة بارزة للهند في هذا القطاع، مع افتتاح أول مصنع من نوعه بدعم حكومي، تديره شركة «كاينس سيميكون». وقد استثمرت الشركة نحو 260 مليون دولار لإنشاء مصنع في ولاية غوجارات، مخصص لتجميع واختبار الشرائح، وبدأ الإنتاج فيه في نوفمبر الماضي.

ويؤكد مسؤولون أن مرحلة التغليف والاختبار تُعد جزءًا جوهريًا من عملية التصنيع، إذ تمر الرقاقة خلالها بعدة إجراءات دقيقة تجعلها صالحة للاستخدام الصناعي، مشددين على أن الشرائح تظل غير قابلة للاستخدام دون هذه الخطوة، مهما بلغت دقة تصنيعها.

وفي الوقت الحالي، يركز المصنع على إنتاج الشرائح الأساسية المستخدمة في قطاعات السيارات والاتصالات والدفاع، بدلًا من الشرائح الأكثر تعقيدًا الخاصة بالهواتف الذكية أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، على أن يتم التوسع لاحقًا بعد تلبية احتياجات السوق المحلي.

وكان إنشاء المصنع تحديًا تقنيًا وبشريًا، إذ تطلب بناء غرف نظيفة متخصصة لأول مرة في الهند، وتركيب معدات متقدمة، إلى جانب تدريب كوادر بشرية على عمليات عالية الدقة تتطلب انضباطًا ومراقبة مستمرة.

ويُعد تأهيل الكفاءات أحد أبرز التحديات التي تواجه الصناعة، حيث لا يمكن تعويض سنوات من الخبرة ببرامج قصيرة الأمد، ما يجعل العنصر البشري أحد أكبر عوائق التطوير المحلي.

ويرى خبراء في القطاع أن الهند مرشحة خلال السنوات المقبلة للتحول إلى مركز مهم في صناعة أشباه الموصلات، وهو ما سيسمح للشركات المحلية بالاعتماد على تقنيات مصنّعة داخليًا، في ظل سعي الهند إلى بناء بيئة داعمة للابتكار التقني المتقدم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى