الصينمقالات

من صنع هذه السيارة؟ باتت الإجابة أكثر تعقيداً

يو بوكون، معلقة اقتصادية في قناة سي جي تي إن - الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلفة وحدها، ولا تعكس بالضرورة آراء قناة سي جي تي إن.

لسنوات طويلة، وُصفت العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة من منظور التنافس: من يبيع أكثر؟ ومن ينتج أكثر؟

ولكن لهذه العلاقة جانب حاسم آخر، وهو التعاون. وأحيانًا يمكننا رؤية هذا الجانب بوضوح تام في منتج واحد فقط.

لنأخذ السيارات كمثال.

فقد اتفقت شركة السيارات الأميركية جنرال موتورز (GM) وشريكتها الصينية سايك موتور (SAIC Motor) مؤخراً على تمديد مشروعهما المشترك لمدة 20 عاماً أخرى. وما يجعل هذه الشراكة لافتة هو أنها لم تعد تقتصر ببساطة على بيع السيارات الأميركية للمستهلكين الصينيين.

وتقول جنرال موتورز التي يقع مقرها في ديترويت، إن الشراكة المجددة تضع المشروع المشترك في موقف يمكّنه من تسريع تحوله التكنولوجي وزيادة فرص النمو.

تقدم شركة سايك الصينية سوقًا سيارات ضخمًا، وسلسلة إمداد كثيفة، وخبرة واسعة في مجال المركبات الكهربائية. أما جنرال موتورز الأمريكية فتقدم علامات تجارية عالمية، وقدرات هندسية، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الدولية.

عند جمع كل هذه العناصر معًا، لن تكون النتيجة مجرد منتج صيني أو منتج أمريكي. بل هو منتج تم تطويره عبر التعاون، ويمكن تسويقه لبقية دول العالم.

قال ليو تشون شينغ، أستاذ مساعد في الجامعة المركزية للتمويل والاقتصاد ببكين: إن الشراكة بين جنرال موتورز وسايك تجسد جوهر التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والولايات المتحدة، ألا وهو الاستفادة من المزايا التكاملية وخلق القيمة معًا.

وأضاف: «هذا التعاون لا يعني ببساطة دخول طرف إلى سوق الطرف الآخر. بل هو دمج الموارد والمزايا لكل منهما لتطوير منتجات تناسب السوق الصيني بشكل أفضل، مع المساهمة في نفس الوقت في سلاسل الإمداد العالمية».

روبوتات صناعية تعمل بسرعة عالية في مقاطعة تشجيانغ الصينية، 3 سبتمبر 2026. /VCG

من «صنع في الصين» إلى «الابتكار المشترك»

لعقود عديدة، كان النموذج الأساسي للتجارة العالمية بسيطًا نسبيًا: دولة تصنع المنتج، ودولة أخرى تشتريه.

لكن سلاسل الإمداد أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير. فاليوم، قد تأتي قيمة المنتج من عدة دول في نفس الوقت، بدءًا من التصميم والهندسة، مرورًا بالتصنيع والبرمجيات واللوجستيات، وانتهاءً بالتسويق.

لذلك، لم يعد التعاون مجرد خيار، بل أصبح ضرورة، إذ لا تستطيع أي دولة توفير كل شيء بمفردها.

يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن التجزؤ التجاري والمالي يكبد الاقتصاد العالمي ما يصل إلى 307 مليارات دولار سنويًا. لذا، فإن الحفاظ على ترابط الأسواق ليس مجرد شعار سياسي، بل له قيمة اقتصادية حقيقية.

وفي السياق نفسه، تقدر منظمة التجارة العالمية أن تيسير التجارة أدى إلى خفض تكاليف التجارة العالمية بما يتراوح بين 1% و4%، وساهم في زيادة حجم التجارة بأكثر من 230 مليار دولار.

ولا تقتصر فوائد سلاسل القيمة العالمية على خفض التكاليف فقط، بل تساعد أيضًا على نشر التكنولوجيا والمعرفة، وتشجيع الابتكار، ورفع الإنتاجية. ولهذا تسعى الشركات إلى إقامة التعاون.

قال ليو :”إن التعاون التكنولوجي بين الشركات متعددة الجنسيات له أهمية حيوية في تخصيص الموارد العالمية. وإذا استمر تراجع هذا التعاون، فقد ينعكس ذلك على الابتكار في قطاعات مثل الطاقة الجديدة والسيارات الذكية، ويجعل تطوير التقنيات الجديدة أكثر صعوبة.“

إقامة فعالية التعاون والتبادل في مجالي الاستثمار والتجارة بين الولايات والمقاطعات الصينية والولايات الأمريكية، وهي إحدى فعاليات الدورة السادسة والعشرين لمعرض الصين الدولي للاستثمار والتجارة، في مدينة شيامن بمقاطعة فوجيان الصينية، 9 سبتمبر 2026. /VCG

لماذا تواصل الشركات بناء روابط التعاون؟

رغم القيود المتزايدة، تعود الشركات في نهاية المطاف إلى سؤال أساسي: هل يخلق التعاون قيمة؟

عندما تستثمر الشركات عبر الحدود، فهي لا تنقل الأموال فقط، بل غالبًا ما تحمل معها التكنولوجيا والخبرة والطاقات الإنتاجية، وسبل الوصول إلى أسواق جديدة.

وهذا يظل جزءًا هامًا من الاقتصاد العالمي.

وفقًا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 6% ليصل إلى 1.6 تريليون دولار في عام 2025. ويشير الأونكتاد إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يساعد الاقتصادات على استيعاب ونشر التقنيات الجديدة، والمشاركة بفعالية أكبر في سلاسل القيمة العالمية.

هذه هي المنطق الذي تقوم عليه شراكات مثل شراكة جنرال موتورز وسايك. فالقيمة لا يجب أن تأتي من طرف واحد فقط، بل يمكن أن تنبع من تجميع المزايا المختلفة، والوصول إلى سوق أوسع.

وربما هذه هي الطريقة الأكثر واقعية للنظر إلى التعاون الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة. قد تتنافس الدولتان في بعض المجالا، ولكن عندما تتكامل مزاياهما، يستطيع التعاون خلق قيمة تتجاوز ما يستطيع أي طرف تحقيقه بمفرده.

ليس الأمر دائمًا عن من يربح. أحيانًا، يكون السؤال عما يمكننا ابتكاره معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى