مركز طشقند المالي الدولي بوابة استراتيجية لاستقطاب الاستثمارات العالمية في أوزبكستان

عبدالحميد حميد الكبي
في 30 مارس 2026، وقّع الرئيس شوكت ميرضيائيف مرسوماً رئاسياً تاريخياً يقضي بإنشاء مركز طشقند المالي الدولي، وهو مشروع طموح يُعدّ نقلة نوعية في مسيرة الإصلاحات الاقتصادية الأوزبكية.
جاء هذا القرار بعد أيام قليلة من استعراض الرئيس عرضاً تقديمياً شاملاً في 25 مارس، سلّط الضوء على ثلاثة محاور رئيسية: إنشاء المركز المالي، وإطلاق المركز الدولي للتقنيات الرقمية، وإدخال الخدمات المالية الإسلامية.
يأتي المشروع في ظل توترات جيوسياسية عالمية تشتد فيها المنافسة على جذب رؤوس الأموال، حيث تمتلك أوزبكستان مزايا تنافسية قوية تتمثل في مواردها الطبيعية الغنية، وإمكاناتها الاقتصادية الواعدة، والإصلاحات الجريئة التي نفّذتها الحكومة خلال السنوات الماضية.
يُبرز المركز أهمية استراتيجية كبيرة كأداة فعّالة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وجذب استثمارات جديدة.
وفقاً للتقديرات الرسمية، يتوقع أن يجذب المركز بين 20 و25 مليار دولار إضافية إلى الاقتصاد بحلول عام 2030، ويساهم بنسبة تصل إلى 1% في نمو الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.
كما سيخلق نحو 15 ألف وظيفة عالية التأهيل، ويُحسّن مهارات 10 آلاف متخصص في مجالات المال والتقنية. هذه الأرقام ليست مجرد توقعات نظرية؛ إنها تعكس رؤية مدروسة تهدف إلى تحويل طشقند إلى مركز مالي إقليمي ينافس نظيراته في آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
تعكس جهود الرئيس ميرضيائيف والحكومة التزاماً واضحاً بتهيئة بيئة أعمال موثوقة وشفافة. فقد أكد الرئيس في كلمته أن العديد من الشركات الدولية تبحث عن أسواق جديدة، وهذه فرصة تاريخية بالنسبة لنا.نحتاج إلى جذب الشركات المالية في أسرع وقت ممكن دون تفويت هذه الفرصة.
ويأتي المرسوم الرئاسي ليترجم هذه الرؤية إلى واقع عملي، حيث يهدف إلى تحقيق هدف طموح يتمثل في جذب استثمارات تتجاوز 50 مليار دولار خلال العام الحالي. يشمل ذلك توفير بنية تحتية حديثة، ونظام قانوني يتماشى مع المعايير الدولية، ومزايا إضافية تجعل أوزبكستان خياراً مفضلاً للمستثمرين.
يتميز المركز بنظام قانوني خاص يُطبّق بموجب قانون دستوري، حيث تُطبق مبادئ القانون العام والإنصاف في إنجلترا وويلز مباشرة داخل أراضيه، مع عدم تعارضها مع تشريعات المركز. وتمنح الهيئات الإدارية صلاحية إصدار لوائح تنظيمية خاصة تغطي القانون المدني، وقانون الشركات، والقانون التجاري، والمالي، والبنوك، والضرائب، والمشتريات العامة، وقانون العمل، وحماية البيانات الشخصية.
كما سيُنشأ داخل المركز محكمة طشقند التجارية الدولية تتكون من محكمة ابتدائية ومحكمة استئناف، إلى جانب مركز تحكيم دولي متخصص في حل المنازعات.
هذا النظام يُعدّ ضمانة قوية للمستثمرين الدوليين الذين يبحثون عن بيئة قضائية محايدة وفعّالة.تشمل الأنشطة المسموح بها داخل المركز نطاقاً واسعاً الأنشطة المالية والاستثمارية والمصرفية، والتأمين، والتعامل مع الأصول الرقمية بما في ذلك العملات المشفرة، والأوراق المالية، وأنظمة وخدمات الدفع، بالإضافة إلى التمويل الإسلامي والتمويل الأخضر.
كما سيُقدّم خدمات التقنيات المالية فينتيك، والتدقيق، والاستشارات، والخدمات القانونية.
أما سكان المركز فيتمتعون بحرية كاملة في حركة رؤوس الأموال، ومعاملات العملات غير المقيدة، والوصول إلى أدوات دفع حديثة، ونظام ضريبي تفضيلي، وإجراءات تأشيرة مبسطة.
هذه المزايا تجعل المركز بيئة مثالية للشركات العالمية التي تبحث عن مرونة وكفاءة.
من الناحية التحليلية، يُمثل المركز خطوة مدروسة نحو الاندماج الأعمق في الاقتصاد العالمي. ففي زمن يشهد فيه العالم إعادة تقييم سلاسل التوريد والمخاطر الجيوسياسية، تستطيع أوزبكستان أن تقدم نفسها كبديل آمن وواعد. التقديرات تشير إلى أن المركز سيُساهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الموارد الطبيعية، ويعزز الابتكار في قطاعات التقنية المالية والأصول الرقمية.
ومع ذلك، يظل النجاح مرهوناً بقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات بكفاءة، وضمان الشفافية الكاملة، وبناء ثقة المستثمرين على المدى الطويل.في رأيي الشخصي المتوازن، يُعدّ إنشاء مركز طشقند المالي الدولي مبادرة جريئة تستحق الإعجاب لأنها تُجسّد رؤية تقدمية تُعيد تشكيل صورة أوزبكستان كوجهة استثمارية حديثة.
إلا أن الطموح يحتاج إلى دعم مستمر من خلال تطوير الكوادر البشرية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ومواكبة التغيرات العالمية في التنظيمات المالية.
التوازن بين الابتكار والاستقرار هو المفتاح لتحويل هذا الحلم إلى واقع ملموس.
بشكل عام، تُشكّل هذه المبادرة، إلى جانب المركز الدولي للتقنيات الرقمية وإدخال التمويل الإسلامي، نظاماً بيئياً مالياً وتكنولوجياً متكاملاً يفتح آفاقاً جديدة أمام الاقتصاد الأوزبكي.
إنها ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل رؤية وطنية تُعزّز الثقة الدولية في أوزبكستان كشريك موثوق. مع تسريع التنفيذ كما أمر الرئيس، يمكن لهذا المركز أن يصبح نموذجاً يُحتذى به في المنطقة، ويُساهم في تحقيق نمو شامل ومستدام يعود بالخير على الأجيال القادمة.













