Featuredكازاخستان

كازاخستان تفتح أبواب سوق السندات أمام العالم بوابة رقمية جديدة تعزز الشفافية والثقة

عبدالحميد حميد الكبي

في عالم التمويل الدولي، حيث يتدفق رأس المال نحو الأسواق الأكثر وضوحاً وأماناً، تأتي خطوة كازاخستان الأخيرة كإشارة قوية على طموحها في الانضمام إلى الصفوف الأمامية للأسواق الناشئة الجذابة.

في 30 ديسمبر 2025، أطلق مركز الإيداع المركزي للأوراق المالية (KCSD) بالتعاون مع بورصة كازاخستان (KASE) بوابة معلوماتية موحدة بعنوان “أسواق رأس المال في كازاخستان” (Capital Markets Kazakhstan)، متاحة عبر الموقع الإلكتروني capitalmarkets.kz.

هذه المنصة الرقمية ليست مجرد موقع إلكتروني، بل هي جسر يربط المستثمرين العالميين بسوق السندات الكازاخستانية، التي تشهد نمواً ملحوظاً في الاهتمام الأجنبي.

يأتي إطلاق البوابة في وقت يشهد فيه السوق الكازاخستاني تزايداً ملحوظاً في تدفق الاستثمارات الأجنبية. السندات الحكومية، التي تُعتبر المعيار الأكثر أماناً في السوق المحلية، جذبت اهتماماً كبيراً.

خلال عام 2025، ارتفع حجم الاستثمارات غير المقيمين في هذه السندات بنسبة 69% (وفقاً لبيانات KCSD)، من تريليون تينغي (حوالي 2.1 مليار دولار أمريكي) إلى 1.8 تريليون تينغي (3.8 مليار دولار أمريكي).
هذا الارتفاع ليس صدفة، بل يعكس تصويتاً بالثقة من المستثمرين الدوليين في استقرار الاقتصاد الكازاخستاني وإمكانات نموه.
البوابة الجديدة تجمع في مكان واحد بيانات شاملة عن هيكل سوق السندات، المؤسسات المالية، الإطار التنظيمي، والأدوات الاستثمارية المتاحة. تشمل المحتويات نظرة عامة على السندات الحكومية والشركات، الأسهم، مؤشرات السوق، بالإضافة إلى روابط لمراجعات اقتصادية كلية رسمية وتقارير تحليلية. كما توفر موجزاً إخبارياً آنياً من مصادر رئيسية مثل KCSD وKASE، مما يضمن تحديثات فورية عن التطورات.
المنصة متاحة بثلاث لغات الإنجليزية، الكازاخية، والروسية، لتسهيل الوصول للجمهور الدولي.
يؤكد ييديل ميدو، رئيس مجلس إدارة KCSD، على الهدف الاستراتيجي: “من خلال إنشاء بوابة أسواق رأس المال في كازاخستان، هدفنا في المرحلة الأولى تبسيط وصول المستثمرين الأجانب إلى بيانات سوق السندات الكازاخستانية، وجعل تعريفهم بالبيئة المالية الكازاخستانية واضحاً وشفافاً.
البوابة أُطلقت الآن في وضع تجريبي، وسيتم تطويرها بشكل مستمر بإضافة معلومات جديدة”. هذا التصريح يبرز التركيز على تقليل حواجز الدخول، خاصة في أسواق ناشئة حيث غالباً ما يعيق نقص المعلومات المنظمة تدفق رأس المال.
من جانبه، يرى عادل موخاميجانوف، رئيس مجلس إدارة KASE، أن المشروع جزء من تحول رقمي أوسع: “تنفذ البورصة هذا المشروع كجزء من بناء منظومة رقمية متكاملة لسوق رأس المال، تجمع بين منصة التداول والبنية التحتية وخدمات المعلومات.
ندخل بيانات التداول والأدوات المالية، بما في ذلك السندات والأسهم ومؤشرات السوق، لتوفير وصول شفاف ومريح للمعلومات عن سوق الأوراق المالية الكازاخستانية للجمهور الدولي”. هذا التكامل يعني رؤية موحدة للسوق، بدلاً من البيانات المجزأة المنتشرة عبر مؤسسات متعددة، مما يقلل من المخاطر المدركة لدى المستثمرين الأجانب.
المشروع ليس مبادرة معزولة، بل يندرج تحت مبادرة سوق السندات الآسيوية (ABMI) التابعة لرابطة دول جنوب شرق آسيا +3 (ASEAN+3).
كازاخستان، كعضو مراقب في منتدى السندات الآسيوية، تسعى لتعزيز أسواقها المحلية بالتوافق مع الجهود الإقليمية لتطوير أسواق السندات بالعملات المحلية.
ينسق التنفيذ وكالة تنظيم وتطوير السوق المالية، بالتعاون مع البنك الوطني، وزارة المالية، ومركز أستانا المالي الدولي (AIFC). هذا التعاون الحكومي يعكس التزاماً وطنياً بتحويل كازاخستان إلى مركز مالي إقليمي، خاصة في آسيا الوسطى.في سياق أوسع، يبرز الإطار التنظيمي كعنصر حاسم في جذب الاستثمار. تركز البوابة بشكل خاص على شرح دور الوكالة التنظيمية، وظائف البنك الوطني، وكيفية صياغة وتنفيذ القواعد. بالنسبة للمستثمرين الدوليين، الذين يخشون غالباً العمليات غير الشفافة في الأسواق الناشئة، يصبح هذا الوضوح أكثر أهمية من العوائد المحتملة أو التصنيفات الائتمانية. كازاخستان، كأكبر اقتصاد في آسيا الوسطى وحاصلة على تصنيف ائتماني استثماري، تستفيد من هذه الخطوة لتعزيز موقعها.ما يميز هذه البوابة هو فلسفتها البسيطة
المال يتبع الثقة، والثقة تتبع المعلومات. في أسواق ناشئة، غالباً ما يعتمد المستثمرون على علاقات شخصية أو وسطاء لفهم الديناميكيات المحلية.
الآن، تقدم كازاخستان بديلاً رقمياً يجعل السوق قابلاً للقراءة والتقييم دون حواجز. هذا ليس مجرد تحسين فني، بل إشارة سياسية كازاخستان مستعدة للمنافسة العالمية، وتراهن على الشفافية كأداة للنمو المستدام.مع استمرار نمو الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع حيازات غير المقيمين في السندات الحكومية، تبدو كازاخستان على أعتاب مرحلة جديدة.
البوابة الرقمية تمثل خطوة أولى نحو نظام بيئي مالي متكامل، يجمع التداول بالبنية التحتية والمعلومات. في نهاية المطاف، هذه الجهود لا تسعى لجذب تدفقات مضاربة قصيرة الأجل، بل لبناء مصداقية طويلة الأمد. مع استمرار هذا الزخم، قد تكون البوابة الخطوة الأولى نحو تحول كازاخستان إلى مركز مالي إقليمي حقيقي في آسيا الوسطى. عندما تكون المعلومات متاحة ومنظمة، يصبح الاستثمار أقل مخاطرة، والسوق أكثر جاذبية. كازاخستان، بهذه الخطوة، تؤكد أنها ليست مجرد مصدر للموارد الطبيعية، بل وجهة استثمارية ناضجة تستحق الثقة العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى