الدكتور سمير حماد يودّع الكويت بعد 46 عاماً من العطاء في القطاع الصحي

بعد مسيرة حافلة امتدت لأكثر من أربعة عقود ونصف في خدمة القطاع الصحي والمجتمع الكويتي، يستعد الدكتور سمير حماد لمغادرة الكويت، حاملاً معه رصيداً كبيراً من الذكريات والإنجازات والعلاقات الإنسانية التي صنعت رحلة استثنائية في حياته المهنية والشخصية.
وصل الدكتور حماد إلى الكويت في 9 فبراير 1980، حيث التحق بوزارة الصحة كأخصائي أشعة في مستشفى الجهراء. وما بدأ كخطوة مهنية جديدة سرعان ما تحول إلى ارتباط عميق ببلد أصبح بالنسبة له وطناً ثانياً.
ويستذكر إحدى أولى المواقف التي تركت أثراً كبيراً في نفسه، عندما نسي ملفاً يحتوي على شهاداته الدراسية الأصلية بعد وصوله إلى مطار الكويت الدولي. ورغم قلقه الشديد آنذاك، فوجئ في اليوم التالي بوصول الملف إلى وزارة الصحة، في مشهد جسّد له قيم الأمانة والكفاءة التي تميز المجتمع الكويتي.
وقال: «لم أكن أعلم حينها أن الكويت ستصبح موطني طوال السنوات الـ46 التالية».

شاهد تطور علم الأشعة عبر العقود
خلال مسيرته المهنية، عايش الدكتور حماد التحولات الكبرى التي شهدها علم الأشعة، بدءاً من عصر الأفلام التقليدية وصولاً إلى الأنظمة الرقمية المتطورة وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وأوضح أن التطور التكنولوجي أحدث نقلة نوعية في دقة التشخيص وسرعة اكتشاف الأمراض، مما أسهم بشكل مباشر في تحسين جودة الرعاية الصحية ورفع فرص العلاج المبكر للمرضى.
مسيرة مهنية حافلة بالإنجازات
عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990، انتقل الدكتور حماد مؤقتاً إلى الهند، قبل أن يواصل مسيرته العلمية والمهنية في لندن وأيرلندا، حيث حصل على زمالة علم الأشعة من أيرلندا.
وعند عودته إلى الكويت، واصل عمله في وزارة الصحة وتدرج في المناصب حتى أصبح استشارياً ورئيساً لقسم الأشعة، مساهماً في تشخيص وعلاج آلاف المرضى، إلى جانب دوره في تدريب وتأهيل أجيال من الأطباء الشباب.
وأشار إلى أن أصعب التحديات التي واجهته خلال عمله كانت إبلاغ المرضى وأسرهم بالتشخيصات الخطيرة، مؤكداً أن التعامل الإنساني والتعاطف كانا دائماً جزءاً أساسياً من رسالته الطبية.
بصمات قيادية خارج المستشفى
لم تقتصر إسهامات الدكتور حماد على العمل الطبي، بل امتدت إلى العمل المجتمعي من خلال رئاسته لمنتدى الأطباء الهنود في الكويت، حيث قاد العديد من المبادرات الصحية والتوعوية.
وشملت هذه المبادرات تنظيم المخيمات الطبية، وحملات التوعية بسرطان الثدي، وبرامج مكافحة التدخين الإلكتروني في المدارس، إضافة إلى الفحوصات الصحية والاستشارات النفسية والمسابقات الطبية للطلبة.
ويعد إحياء مسابقة المعلومات الطبية للطلاب وتوسيع برامج التوعية لتشمل المناطق العمالية والنائية من أبرز الإنجازات التي يعتز بها خلال فترة قيادته للمنتدى.

الكويت.. وطن ثانٍ
وعن سر بقائه في الكويت طوال هذه السنوات، قال الدكتور حماد إن الكويت لم توفر له فرصاً مهنية فحسب، بل منحته شعوراً حقيقياً بالانتماء والاستقرار، إلى جانب صداقات وعلاقات إنسانية استمرت لعقود.
وأضاف: «دفء الناس وكرمهم وحسن ضيافتهم جعلني أشعر بأن الكويت هي موطني الحقيقي».
بداية جديدة في مومباي
ومع استعداده للانتقال بشكل دائم إلى مدينة مومباي الهندية، يؤكد الدكتور حماد أن هذه المرحلة تمثل بالنسبة له «بداية جديدة» وليست نهاية لمسيرة العطاء.
ويخطط لمواصلة العمل المجتمعي والمشاركة في المبادرات الصحية، إلى جانب التفرغ للعائلة والسفر وممارسة الرياضة واليوغا والتعلم المستمر.
رسالة وداع وامتنان
وفي ختام رحلته بالكويت، وجّه الدكتور حماد رسالة مؤثرة عبّر فيها عن امتنانه العميق للكويت وشعبها، قائلاً:
«بعد 46 عاماً لا تُنسى، لم تكن الكويت مجرد مكان عشت فيه، بل أصبحت وطناً حقيقياً لي. أغادرها بقلب مفعم بالامتنان لما منحني إياه هذا البلد من فرص وعلاقات وإنسانية وانتماء. ورغم رحيلي، سيبقى جزء مني هنا إلى الأبد».
وتبقى مسيرة الدكتور سمير حماد نموذجاً للتفاني والإخلاص في العمل الطبي، وشاهداً على قوة العلاقات الإنسانية التي تتجاوز الحدود والثقافات، تاركاً إرثاً مهنياً وإنسانياً سيظل حاضراً في ذاكرة القطاع الصحي والمجتمع الكويتي.













