أذربيجان تحيي الذكرى السادسة والثلاثين لمأساة “20 يناير”

تحيي جمهورية أذربيجان، يوم غدٍ الثلاثاء، الذكرى السادسة والثلاثين لمأساة 20 يناير 1990، المعروفة في الذاكرة الوطنية باسم “يناير الأسود” أو “ذاكرة الدم”، والتي أسفرت عن سقوط مئات الشهداء والجرحى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.
وتُعد هذه المأساة إحدى أكثر الصفحات دموية في التاريخ الحديث لأذربيجان، حيث بلغ إجمالي عدد شهداء 20 يناير 150 شهيدًا، فيما أُصيب المئات بجروح متفاوتة الخطورة.

وكعادتها في كل عام، تشهد أذربيجان فعاليات إحياء واسعة، إذ يتوافد المواطنون إلى مقبرة الشهداء في باكو لوضع زهور القرنفل الحمراء على قبور شهداء الاستقلال، تعبيرًا عن الفخر بتضحياتهم والحزن العميق على فقدانهم، إلى جانب إدانتهم الشديدة للجهات التي ارتكبت هذه الجريمة.
وفي تمام الساعة 12:00 ظهرًا بتوقيت باكو، تُحيى الذكرى بدقيقة صمت حدادًا على أرواح الشهداء، حيث تُطلق الإشارات الصوتية من السفن والسيارات والقطارات، وتُنكس الأعلام الوطنية في جميع أنحاء البلاد.

خلفيات المأساة
تعود جذور مأساة يناير إلى عام 1987، عندما بدأت أرمينيا بعمليات تهجير جماعي واسعة للأذربيجانيين من أراضيهم التاريخية، إلى جانب محاولاتها ضم إقليم ناغورنو كاراباخ. وبدلًا من احتواء التوتر المتصاعد، ارتكبت القيادة السوفيتية آنذاك جريمة جسيمة بحق الشعب الأذربيجاني.
وفي ليلة 19–20 يناير 1990، وبأمر مباشر من ميخائيل غورباتشوف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي، دخلت وحدات من الجيش السوفيتي وقوات وزارة الداخلية والأمن إلى العاصمة باكو وعدد من مناطق الجمهورية، مستخدمة الآليات الثقيلة والأسلحة المختلفة ضد المدنيين العزل، ما أدى إلى مجازر جماعية وسقوط عدد كبير من الضحايا.

وقبل إعلان حالة الطوارئ، قُتل 82 شخصًا وأُصيب 20 آخرون بجروح خطيرة. وبعد فرضها، قُتل 21 شخصًا آخر في باكو، فيما شهدت مدن ومناطق لم تُعلن فيها حالة الطوارئ، مثل نفتشالا ولانكاران، مقتل ثمانية أشخاص إضافيين. وبذلك، بلغ عدد القتلى 131 شخصًا، إضافة إلى 744 جريحًا، نتيجة الانتشار غير القانوني للقوات السوفيتية.
كما رافقت العمليات العسكرية اعتقالات جماعية، حيث اعتُقل 841 مدنيًا بشكل غير قانوني، نُقل 112 منهم إلى سجون في مدن مختلفة داخل الاتحاد السوفيتي. وتعرضت مئات المنازل والسيارات، بما فيها سيارات إسعاف، لإطلاق النار والتدمير، فضلًا عن خسائر جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

مواقف تاريخية وتداعيات وطنية
وصف المراقبون آنذاك تصرفات القوات السوفيتية بأنها تحمل سمات الجرائم التي أدانتها محكمة نورمبرغ الدولية. وأُطلق على ضحايا تلك الأحداث اسم “شهداء 20 يناير”.
وفي 21 يناير 1990، توجه الزعيم الوطني حيدر علييف مع أفراد أسرته إلى الممثلية الدائمة لأذربيجان في موسكو، حيث أدان بشدة العملية العسكرية، واعتبرها انتهاكًا صارخًا للقانون والديمقراطية والإنسانية، مطالبًا بمحاسبة المسؤولين عنها.
وفي عام 1994، وبمبادرة من حيدر علييف، جرى إقرار تقييم سياسي وقانوني رسمي لمأساة 20 يناير على مستوى المجلس الوطني، الذي اعتبر ما جرى عدوانًا عسكريًا وجريمة ارتكبها النظام الشيوعي الشمولي ضد الشعب الأذربيجاني.

رمزية المأساة
تُعد مأساة يناير حزنًا وطنيًا عميقًا، لكنها في الوقت ذاته تجسّد صلابة وقوة إرادة الشعب الأذربيجاني، إذ شكّلت نقطة تحول مفصلية في مسار حركة التحرر الوطني، وأسهمت بشكل حاسم في ترسيخ الهوية الوطنية وتسريع استعادة استقلال الدولة.
ومنذ تلك الأحداث، أصبح استقلال أذربيجان خيارًا لا رجعة فيه في وجدان شعبها، لتبقى ذكرى 20 يناير رمزًا للتضحية والكرامة الوطنية.













