عبدالحميد حميد الكبي
في حدث وصف بأنه تاريخي ومصيري، أغلقت مراكز الاقتراع أبوابها في كازاخستان مساء أمس الأحد بعد يوم شهد مشاركة شعبية غير مسبوقة في استفتاء وطني على اعتماد دستور جديد يطال 84% من مواد الدستور الحالي.
حيث بدأت العملية الانتخابية في تمام الساعة السابعة صباحًا بتوقيت أستانا، حيث افتتحت 10,388 مركز اقتراع داخل البلاد، بالإضافة إلى 71 مركزًا في 54 دولة للمواطنين في الخارج.
وكشفت اللجنة المركزية للاستفتاء أن 17,514 مواطنًا حصلوا على شهادات تصويت غيابي، بينما أدلى 14,380 مواطنًا في الخارج بأصواتهم عبر البعثات الدبلوماسية.
تطور نسبة الإقبال على مدار اليوم
أعلنت اللجنة المركزية تحديثات دورية لنسب المشاركة كل ساعتين صباحًا وكل ساعة بعد الظهر. وصلت النسبة إلى 19.21% (2,393,844 ناخبًا) بحلول الساعة العاشرة صباحًا، ثم ارتفعت إلى 37.54% عند الظهر، وقفزت إلى 64.43% (8,029,286 ناخبًا) بحلول الساعة الرابعة عصرًا.
ومع إغلاق الصناديق في الساعة الثامنة مساءً، استقرت النسبة النهائية عند 73.24% (9,126,850 ناخبًا).
تفاوتت النسب إقليميًا بشكل بارز: 93.04% في كيزيلوردا، 87.05% في أكتوبي، 86.42% في شرق كازاخستان، مقابل 60.36% في أستانا و33.43% فقط في ألماتي، مما يعكس فجوة واضحة بين المناطق الريفية والمدن الكبرى.
مشاركة القيادة الوطنية
أدلى الرئيس قاسم جومارت توكاييف بصوته في مركز الاقتراع رقم 51 بقصر الأطفال في أستانا. وبعد التصويت عقد مؤتمراً صحفياً وصف فيه اليوم بأنه تاريخي وبداية مرحلة كازاخستان المتقدمة. وقال: لقد أدى الدستور لعام 1995 دوره حان الوقت لقانون أساسي جديد.
وأكد مشاركته الشخصية في صياغة الديباجة وبعض الأحكام الرئيسية، مشدداً على ضرورة مواكبة التقدم للحفاظ على مصداقية البلاد دوليًا.
كما أدلى رئيس الوزراء أولزاس بيكتينوف بصوته في مدرسة دينموخاميد كوناييف الثانوية رقم 66 بأستانا.
وصوّت رئيس مجلس الشيوخ مولين أشيمباييف الذي اعتبر الاستفتاء ذو أهمية تاريخية كبيرة، قائلاً: الشعب هو مصدر السلطة والمشاركة تمنح كل مواطن فرصة تحديد التوجه الاستراتيجي.
أما مستشار الدولة إرلان كارين فقد صوت في المكتبة الأكاديمية الوطنية وأكد أن الاستفتاء يختتم ستة أشهر من المناقشات العامة ويحدد نوع المجتمع المستقبلي.
تصريح الرئيس توكاييف بعد النتائج المبدئية
في استوديو Kazmedia Ortałyqı، قال الرئيس بعد إعلان استطلاعات الخروج شهدنا اليوم حدثاً تاريخياً حقاً.
دعم مواطنو كازاخستان الإصلاح الدستوري يمكننا القول بثقة إن كازاخستان اتخذت خيارها التاريخي لصالح الدستور الجديد. وأضاف من الآن فصاعداً، سيُحتفل بـ15 مارس سنوياً كيوم الدستور. التقى الرئيس أيضاً بممثلي المنظمات الشبابية، مشيدًا بدورهم، وأكد أن الدستور الجديد أساس استقلالنا وسيادتنا، مع إشادة المراقبين بالشفافية والمعايير الديمقراطية.
استطلاعات الخروج: تأييد ساحق
أظهر استطلاع أجراه معهد التكامل الأوراسي تأييدًا بنسبة 86.7% مع إقبال مقدر 75.3% (عينة 30 ألف ناخب في 200 مركز).
وجاء استطلاع معهد البحوث الاجتماعية الشاملة – أستانا (SOCIS-A) بنسبة 87.4%. وفي تقديرات أخرى من معهد السياسة العامة بلغ التأييد 88.6%. تأهلت سبع منظمات مستقلة لإجراء هذه الاستطلاعات وفق قرار اللجنة المركزية للاستفتاء في 22 فبراير 2026،
وهي: معهد الديمقراطية، معهد بحوث الرأي العام، DATAmetrics، معهد السياسة العامة لحزب أمانات، معهد التكامل الأوراسي، معهد التنمية العامة في كازاخستان، ومعهد البحوث الاجتماعية الشاملة – أستانا (SOCIS-A).
نظرة تحليلية
يُعد الإقبال 73.24% – وهو الأعلى في استفتاءات كازاخستان الحديثة دليلاً على اهتمام شعبي واسع، خاصة في المناطق الريفية والجنوبية حيث تجاوزت النسب 85–93%. هذا الدعم القوي يعكس قبولاً كبيراً للرؤية الإصلاحية التي طرحها الرئيس توكاييف بعد أحداث 2022، والتي هدفت إلى الانتقال نحو نموذج يُروَّج له كـ جمهورية رئاسية ببرلمان أقوى.
في الوقت نفسه، يلاحظ الانخفاض النسبي في المدن الكبرى (ألماتي 33.43%، أستانا 60.36%)، مما يشير إلى تفاوت في مستويات المشاركة بين الريف والحضر، وربما يعكس اختلافات في الاهتمام أو الثقة بالعملية بين الشرائح السكانية المختلفة.
أما منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE/ODIHR)، فقد أجرت مهمة تقييم احتياجات (Needs Assessment Mission) في فبراير 2026، وأشارت في تقريرها إلى أن الإعداد للاستفتاء كان سريعاً نسبياً، مما حد من الوقت المتاح للناخبين للاطلاع على التعديلات والمناقشة العامة، مع التركيز على أهمية الشفافية في الحملة والإعلام. ومع ذلك، أكدت المنظمة إرسال مهمة تقييم محدودة (Referendum Assessment Mission) لمراقبة الالتزام بالمعايير الديمقراطية والالتزامات الدولية، دون نشر تقرير نهائي شامل حتى الآن (حتى تاريخ اليوم). الاستفتاء الثالث في أربع سنوات يعكس اتجاهاً نحو الدولة المستمعة، ويبقى نجاحه مرهوناً بتنفيذ الإصلاحات بشفافية كاملة لتعزيز الثقة طويلة الأمد.
يُغلق هذا الاستفتاء صفحة من تاريخ كازاخستان ويفتح أخرى تحمل آمالاً كبيرة.
الدستور الجديد الذي من المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ في 1 يوليو 2026 ليس مجرد وثيقة قانونية؛ إنه عهد شعبي يجسد إرادة غالبية الناخبين في بناء دولة حديثة، عادلة، ومستقلة.
مع إعلان 15 مارس يوم الدستور الوطني، يتحول هذا التاريخ إلى رمز للوطنية والمسؤولية المشتركة. كازاخستان أثبتت قدرتها على إدارة التغيير سلمياً في سياق جيوسياسي معقد، لكن النجاح الحقيقي يبقى مرهوناً بتنفيذ الإصلاحات بشفافية، توازن سلطات حقيقي، واحترام الحريات، ليصبح الدستور الجديد أداة تقدم فعلي لا مجرد وعد.
اليوم، صوت الكازاخستانيون لمستقبلهم والأيام القادمة ستحدد ما إذا كان هذا التصويت بداية عصر جديد حقاً.

