Site icon Q8-Press

أوزبكستان في 2025 توسع دبلوماسي ملحوظ وفي 2026 ترسيخ مكانتها الرائدة

عبدالحميد حميد الكبي

مع حلول عام 2026، ننظر إلى الوراء إلى 2025 كعام تحولي في تاريخ أوزبكستان.

كيف تحولت طائرة رئاسية إلى أداة لإعادة رسم خريطة العلاقات الدولية؟ قطعت مسافة تزيد عن 160 ألف كيلومتر  تعادل الدوران حول خط الاستواء أربع مرات  محملة بأجندة الرئيس شوكت ميرضيائيف، الذي قام بـ26 زيارة إلى 18 دولة.

هذه الرحلات لم تكن مجرد تنقلات روتينية، بل كانت خطوات استراتيجية لإعادة ترسيخ مكانة أوزبكستان كلاعب إقليمي وعالمي. من أبوظبي إلى طوكيو، ومن موسكو إلى واشنطن، رسم ميرضيائيف مساراً يجمع بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، محولاً أوزبكستان من دولة محاصرة جغرافياً إلى مركز للشراكات الدولية.

من الإصلاحات الداخلية إلى الانتشار العالمي تُعد سياسة الرئيس شوكت ميرضيائيف الخارجية امتداداً طبيعياً لإصلاحاته الداخلية التي بدأها منذ توليه السلطة في 2016.

سعى الرئيس ميرضيائيف إلى فتح أوزبكستان على العالم، مستلهماً شعار “أوزبكستان الجديدة”. يركز نهجه على التوازن بين الشرق والغرب، مع التركيز على الشراكات الاقتصادية والأمنية.

في 2025، تجلى هذا النهج في مشاركته في نحو 20 فعالية دولية، من قمم منظمة شنغهاي للتعاون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث طرح مبادرات مثل إنشاء اتحاد علمي تعليمي مع إيطاليا، وبرنامج للسلام النووي في تيانجين.

وفقاً لتقارير إعلامية ودراسات سياسية، يُعرف أسلوب الرئيس شوكت ميرضيائيف في السياسة الخارجية بطابعه الديناميكي والمتعدد الاتجاهات، الذي يركز على بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، دون الالتزام بتحالفات صارمة، مما ساهم في تعزيز مكانة أوزبكستان إقليمياً وعالمياً.

على سبيل المثال، زياراته المتكررة إلى روسيا مرتين تعكس الاعتماد التاريخي، بينما لقاءاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك وواشنطن تفتح أبواب الاستثمار الأمريكي.

كما يولي اهتماماً خاصاً بآسيا الوسطى، مع زيارات ثلاثية إلى كازاخستان وتركمانستان، لتعزيز الوحدة الإقليمية.

هذه السياسة ليست عفوية؛ إنها مدروسة لجذب استثمارات بمليارات الدولارات، كما في اتفاقيات مع فرنسا (6.5 مليار يورو) والكويت (4.9 مليار دولار).

لقد حول الرئيس ميرضيائيف أوزبكستان إلى “جسر” بين أوراسيا والشرق الأوسط، مستفيداً من موقعها الاستراتيجي.

من منظور قراءة اقتصادية إعلامية شخصية، يعكس هذا النهج نمواً ملحوظاً في الاستثمارات الأجنبية، حيث ساهمت الشراكات الدولية في تعزيز الاقتصاد الأوزبكي، مما يجمع بين المبادرات السياسية والفوائد الاقتصادية الملموسة لتعزيز استقلالية البلاد في نظام متعدد الأقطاب.

من منظور قراءة سياسية، يعكس هذا الطابع الديناميكي تحولاً جذرياً في استراتيجية أوزبكستان، حيث انتقلت من العزلة إلى الانفتاح النشط، مما يعزز دورها كلاعب إقليمي يساهم في الاستقرار الجيوسياسي. هذا النهج يتجنب الالتزامات الجانبية، مما يسمح لأوزبكستان بالاستفادة من التنافس بين القوى الكبرى دون فقدان استقلاليتها، وهو ما يُعتبر خطوة ذكية في عالم متعدد الأقطاب حيث تتغير التحالفات بسرعة.

أهمية الزيارات الخارجية لعام 2025 دبلوماسية نشطة لاقتصاد مزدهر شهد عام 2025 ذروة النشاط الدبلوماسي لميرضيائيف، مع 26 زيارة رسمية وعملية إلى 18 دولة، تغطي قارات آسيا وأوروبا وأمريكا والشرق الأوسط.

هذه الزيارات أسفرت عن اتفاقيات اقتصادية هائلة، تعزز التنمية المستدامة في أوزبكستان. على سبيل المثال، في زيارته الأولى إلى الإمارات في يناير، وقع اتفاقيات تشمل شراكة استراتيجية، مما يفتح أبواب الاستثمار في الطاقة المتجددة.

أما في فرنسا، فقد حصل على وسام جوقة الشرف، ووقع اتفاقيات استثمارية بـ6.5 مليار يورو، مع تسمية شارع في باريس باسم سمرقند، رمزاً للروابط الثقافية.

هذه الخطوات لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى تعزيز الروابط الثقافية والإنسانية، مما يعكس رؤية شاملة للسياسة الخارجية.

تكرار الزيارات إلى دول مجاورة مثل كازاخستان ثلاث مرات وروسيا مرتين يعكس أولوية الاستقرار الإقليمي، خاصة في مواجهة تحديات مثل تغير المناخ والأمن المائي، حيث ساهم في اجتماعات ثلاثية مع طاجيكستان وقيرغيزستان، مما أدى إلى اتفاقيات حدودية تاريخية.

على المستوى العالمي، مشاركته في قمم مثل “آسيا الوسطى + الصين” و”آسيا الوسطى + اليابان” طرحت مبادرات مثل استراتيجية 2040، تهدف إلى تعزيز الصناعة والبنية التحتية. اقتصادياً، جذبت هذه الزيارات استثمارات من شركات عملاقة مثل بتروناس ماليزيا وبوينغ أمريكا، مما يعزز النمو الاقتصادي لأوزبكستان، التي تسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. سياسياً، عززت هذه الرحلات دور أوزبكستان في قضايا عالمية مثل السلام النووي والتنمية المستدامة،

لتوضيح التوزيع الجغرافي، شهدت كازاخستان ثلاث زيارات ركزت على تعزيز التعاون الإقليمي دون قيمة اقتصادية محددة، بينما تلقت تركمانستان ثلاث زيارات أخرى شملت اتفاقيات ثلاثية وثنائية دون تحديد مالي، وروسيا مرتين للاحتفالات التاريخية والشراكات، والولايات المتحدة مرتين لجذب استثمارات بمليارات الدولارات،

في المجمل، كانت هذه الزيارات أداة لتحقيق التوازن الجيوسياسي، محولة أوزبكستان إلى مركز جذب دولي، هذا النشاط لم يقتصر على الجانب الرسمي، بل شمل أيضاً مبادرات ثقافية مثل تسمية حدائق وشوارع بأسماء مدن أوزبكية في دول أخرى، مما يعزز الروابط الإنسانية ويفتح آفاقاً جديدة للسياحة والتعليم.

الزيارات إلى الدول العربية الإمارات، الكويت، وقطر حيث  شكلت الزيارات إلى الدول العربية الخليجية – الإمارات العربية المتحدة، الكويت، وقطر – جانباً بارزاً في أجندة ميرضيائيف لعام 2025، مع التركيز على تعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية. بدأت السنة بزيارة إلى أبوظبي في 13 يناير، حيث التقى بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ووقع اتفاقيات تشمل شراكة استراتيجية، مع حضور قمة أسبوع أبوظبي للتنمية المستدامة. هذه الزيارة فتحت أبواب الاستثمار في الطاقة الخضراء والابتكار، مستفيدة من خبرة الإمارات في التنويع الاقتصادي.

كما شملت مناقشات حول المبادرات الدولية، مثل جائزة الشيخ زايد للتنمية المستدامة، حيث عرض ميرضيائيف مبادرات أوزبكية في مجال البيئة.أما زيارة قطر في نوفمبر، فقد تزامنت مع القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في الدوحة، حيث التقى بالشيخ تميم بن حمد آل ثاني، واقترح مبادرات مثل منتدى دولي للحماية الاجتماعية للمهاجرين، وإنشاء صندوق عالمي للعدالة الاجتماعية. ركزت المحادثات على الطاقة الخضراء، النقل، والسياحة، مما يعكس رغبة أوزبكستان في الاستفادة من نموذج قطر في التنمية المستدامة. هذه الزيارة أيضاً شملت مناقشات حول تعزيز التعاون في مجالات الجيولوجيا والمنسوجات، مما يفتح آفاقاً جديدة للشراكات الاقتصادية.

ومع ذلك، برزت الكويت كمحور استراتيجي بفضل حجم الاتفاقيات البالغ 4.9 مليار دولار، مما يفوق الاتفاقيات مع الإمارات وقطر في ذلك السياق. في زيارة 17-18 فبراير، كأول زيارة رسمية لميرضيائيف إلى هناك، التقى بالشيخ مشعل الأحمد الصباح وولي العهد الشيخ صباح الخالد الصباح، ووقع اتفاقيات تغطي التنمية الاقتصادية، الاستثمار، والتعاون الصناعي.

شملت الزيارة اجتماعات مع قادة أعمال وبنوك كويتية، مما يعزز تدفق الاستثمارات إلى أوزبكستان. ثقافياً، زار متحف قصر “السلام”، مستكشفاً التراث الكويتي، مما أضاف بعداً إنسانياً. هذه الزيارة ليست عابرة؛ إنها تعكس استراتيجية ميرضيائيف في تعزيزالعلاقات مع الدول الخليجية، خاصة في ظل تحديات الطاقة العالمية.

لذلك يعكس التركيز على الكويت في سياسة أوزبكستان الخارجية محاولة مدروسة لتعزيز الروابط مع دول مستقرة اقتصادياً في الخليج، مما يساعد طشقند في مواجهة التحديات الإقليمية، ويفتح أبواباً لشراكات طويلة الأمد تعتمد على التبادل الاقتصادي المتبادل.

مستقبل الزيارات كقراءة سياسية:

نحو شراكات مستدامة في عالم متعدد الأقطاب من منظور سياسي، تشير زيارات الرئيس ميرضيائيف في 2025 إلى تحول أوزبكستان نحو دبلوماسية متعددة الاتجاهات، مستفيدة من التنافس بين القوى الكبرى.

في الشرق الأوسط، يمكن قراءة التركيز على الخليج كمحاولة لتعزيز الروابط مع دول غنية بالنفط، لمواجهة التحديات الإقليمية مثل نقص المياه والتغير المناخي. مستقبلاً، قد تشهد هذه العلاقات مشاريع مشتركة في الطاقة المتجددة، كما في اقتراحات قطر، أو استثمارات كويتية في البنية التحتية الأوزبكية.

سياسياً، يعزز هذا النهج استقلالية أوزبكستان، خاصة مع زيارات إلى الولايات المتحدة وروسيا، مما يمنع الوقوع في فخ الاعتماد على جانب واحد.

في آسيا الوسطى، يشير التكرار إلى بناء تحالف إقليمي قوي، قد يؤدي إلى اتحاد اقتصادي أقوى.

عالمياً، مبادرات مثل “آسيا الوسطى – اليابان 2040” تفتح آفاقاً طويلة الأمد. ومع ذلك، قد تواجه هذه السياسة تحديات مثل التوترات الجيوسياسية في أوكرانيا أو الشرق الأوسط، مما يتطلب توازناً دقيقاً. كقراءة سياسية، يبدو أن الرئيس ميرضيائيف يرسم مستقبلاً حيث تكون أوزبكستان مركزاً للحوار، مستفيدة من موقعها كبلد غير ساحلي لجذب الاستثمارات، مع الحفاظ على الحياد الاستراتيجي، كما أشار تقرير للأمم المتحدة حول التنمية في آسيا الوسطى.

هذا النهج يعكس أيضاً استجابة للتحديات العالمية مثل الجائحة المناخية، حيث يمكن أن تؤدي الشراكات الجديدة إلى حلول مشتركة، مما يعزز دور أوزبكستان في المحافل الدولية مثل منظمة شنغهاي.

مع  مرور عام على هذه الزيارات في 2025، يبرز الرئيس شوكت ميرضيائيف كمهندس لسياسة خارجية جريئة، حولت أوزبكستان إلى لاعب دولي نشيط.

من خلال 26 زيارة، لم يقتصر على توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات، بل بنى جسوراً ثقافية وسياسية تدوم لأجيال.

التركيز على الدول العربية، خاصة الكويت، يعكس رؤية استراتيجية للتنويع، بينما يشير المستقبل إلى شراكات مستدامة في عالم متعدد الأقطاب.

من منظور قراءة شخصية سياسية إعلامية، يبدو أن السياسة الخارجية النشطة لميرضيائيف قد عززت الدعم الشعبي داخل أوزبكستان، حيث تشير التحليلات الإعلامية إلى زيادة في الثقة بالحكومة نتيجة الإنجازات الاقتصادية والدبلوماسية، مما يعكس تحولاً في الرأي العام نحو تقدير الاستقرار الإقليمي والفرص الجديدة،

هذا التراث ليس مجرد إنجاز شخصي؛ إنه أساس لأوزبكستان قوية، مستقلة، ومزدهرة، قادرة على مواجهة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والتوترات الجيوسياسية.

مع بداية عام 2026، يظل السؤال مفتوحاً: هل ستستمر هذه الديناميكية في تشكيل خرائط جديدة للعلاقات الدولية؟ الإجابة تكمن في الطموح الذي حملته تلك الرحلات، والذي يمهد لعصر من الازدهار المستدام والاستقرار الإقليمي، مدعوماً بدبلوماسية مبتكرة تلهم الجيران وتعزز السلام العالمي.

في النهاية، يقدم هذا النهج نموذجاً إلهامياً للدول الناشئة، يوازن بين الطموحات الداخلية والالتزامات الدولية، محولاً أوزبكستان إلى نموذج نجاح في القرن الـ21.

Exit mobile version