Site icon Q8-Press

أوزبكستان: تعزيز التعاون داخل العالم التركي وآفاق جديدة للتنمية

في الخامس عشر من مايو/أيار 2026، ستُعقد قمة غير رسمية لمنظمة الدول التركية في مدينة تركستان.

وسيكون هذا الحدث رفيع المستوى منصةً حيويةً لمناقشة قضايا التعاون الملحة وتحديد أولويات تطوير التفاعل بين الدول الأعضاء.

إنّ تشكيل فضاء التكامل التركي له تاريخٌ يمتدّ لقرونٍ عديدة، متجذّرٌ ليس فقط في اللغة والثقافة والتراث التاريخي المشترك، بل أيضاً في التقاليد العريقة للتنوير والفكر لدى الشعوب التركية. وقد لعبت حركة التجديد في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دوراً محورياً في صياغة أفكار التقارب الثقافي والروحي. ودعا روادها إلى التعليم والعلوم والتحديث الاجتماعي وتعزيز الروابط بين الشعوب التركية.

عُقدت القمة الأولى لرؤساء الدول الناطقة بالتركية في أنقرة عام ١٩٩٢ بمبادرة من رئيس الوزراء التركي آنذاك، تورغوت أوزال. وفي إعلان طشقند عام ١٩٩٦، أكّد رؤساء الدول على إنشاء أمانة عامة. وعلى مرّ السنوات اللاحقة، تطوّر هذا النموذج باستمرار، ما أدى إلى تأسيس مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية في نخجوان عام ٢٠٠٩. وفي قمة إسطنبول عام ٢٠٢١، اتُخذ قرار بتحويل هذا الكيان إلى منظمة الدول التركية. ويعكس هذا التحوّل توسّع أنشطة المنظمة وتزايد أهميتها الدولية.

يتمثّل الهدف الرئيسي للمنظمة في تطوير تعاون شامل بين الدول الأعضاء: أذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وتركيا، وأوزبكستان. وتشمل مهامها ذات الأولوية تعزيز الثقة المتبادلة وعلاقات حسن الجوار، وتنسيق مواقف السياسة الخارجية، وتوسيع التعاون في مجالات التجارة، والاقتصاد، والنقل، والطاقة، والمجالات الثقافية والإنسانية. يُولى اهتمام خاص لتهيئة الظروف المواتية للتجارة والاستثمار، وتطوير التعاون العلمي والتقني، وتحسين مستويات معيشة سكان المنطقة.

يضم الهيكل التنظيمي لمنظمة الدول التركية عددًا من المؤسسات الرئيسية التي تُنسق التعاون متعدد الأطراف. ويُعد مجلس رؤساء الدول الهيئة العليا التي تُحدد أهداف التنمية الاستراتيجية وتعقد اجتماعات دورية. أما مجلس حكماء منظمة الدول التركية، فيُقدم خدمات استشارية، ويجمع ممثلين مؤثرين من الدول الأعضاء، ويعمل على تعزيز تقاليد التفاهم والثقة المتبادلة في العالم التركي.

لطالما كانت أوزبكستان مشاركًا فاعلًا في عمليات التقريب بين الدول التركية وتطوير التعاون متعدد الأطراف ضمن هذا الإطار منذ البداية. وشكّلت مشاركة الرئيس شوكت ميرزيوييف كضيف شرف في القمة السادسة للدول الناطقة بالتركية، التي عُقدت في 3 سبتمبر/أيلول 2018 في تشولبون آتا، قيرغيزستان، نقطة تحول جديدة، إذ أعطت هذه الخطوة دفعة قوية لتطوير المنظمة. في عام 2019، صادقت الجمهورية على اتفاقية نخجوان، مما أضفى الطابع الرسمي على مشاركتها الكاملة في أنشطة مكتب تسوية المنازعات

مع انضمام أوزبكستان، تكثفت أنشطة المنظمة وبرنامج التعاون بين الدول الأعضاء بشكل ملحوظ. ففي القمم التي عُقدت بين عامي 2019 و2025، طرح رئيس أوزبكستان 116 مبادرة تهدف إلى تعزيز التعاون متعدد الأوجه. وحتى الآن، تم تنفيذ 64 مبادرة منها، بينما وصلت مشاريع أخرى إلى مراحلها النهائية. وتُظهر هذه الأرقام النهج المنهجي والعملي الذي تتبعه أوزبكستان في تطوير عمليات التكامل ضمن الفضاء التركي.

وتغطي المبادرات المنفذة نطاقًا واسعًا من المجالات. ففي قطاعي الاقتصاد والنقل، كان لإدخال أنظمة “التصريح الإلكتروني” و”نظام النقل الدولي المتكامل الرقمي” و”الممر الأخضر” – التي تهدف إلى تبسيط العمليات اللوجستية وتطوير إمكانات العبور في المنطقة – أهمية خاصة. أما في قطاع السياحة، فقد شملت أبرز الإنجازات إعلان مدينة كوكاند عاصمةً للسياحة في العالم التركي، وتنفيذ مشروع “زيارة الحج” الذي يهدف إلى تطوير سياحة الحج. يشهد التعاون في مجالات سياسات الشباب والعلوم والتعليم نموًا متسارعًا. وتُعقد بانتظام منتديات قيادة الشباب والمؤتمرات الدولية والفعاليات ضمن إطار اتحاد الجامعات التركية. وفي الوقت نفسه، يُولى اهتمام كبير للتطوير الابتكاري، حيث تُنظم منتديات تكنولوجيا المعلومات ومنصات الشركات الناشئة واجتماعات الهيئات القطاعية، بما في ذلك التعاون في قطاعي صناعة الفضاء والدفاع. ويعكس هذا سعي الدول الأعضاء لتشكيل فضاء تكنولوجي موحد.

وتكتسب رئاسة أوزبكستان، التي بدأت عقب نتائج قمة سمرقند 2022، أهمية خاصة لتطوير منظمة الدول التركية. فخلال هذه الفترة، لم تكتفِ البلاد بتكثيف التعاون العملي فحسب، بل أدخلت أيضًا ابتكارات مؤسسية على أنشطة المنظمة. وعلى وجه الخصوص، ولأول مرة، طُبقت ممارسة وضع مفهوم وخطة عمل شاملة لفترة الرئاسة، مما أتاح إضفاء طابع أكثر منهجية واتساقًا على التعاون. وفي إطار الرئاسة، عُقد أكثر من 100 فعالية على مختلف المستويات، غطت مجالات رئيسية من الاقتصاد والنقل إلى العلوم والثقافة والتعليم.

اليوم، يُصاغ جدول أعمال منظمة الدول التركية مع مراعاة مصالح جميع الدول المشاركة، حيث تُسهم كل دولة في تطوير عمليات التكامل.

يشهد التعاون الاقتصادي في إطار منظمة الدول التركية نموًا إيجابيًا مطردًا. ووفقًا لنتائج السنوات الأخيرة، فقد ازداد حجم التبادل التجاري لأوزبكستان مع الدول الأعضاء في المنظمة بشكل مطرد، وتجاوز 10.8 مليار دولار أمريكي في عام 2025. ولا تزال كازاخستان وتركيا الشريكين التجاريين الرئيسيين لأوزبكستان. وفي الوقت نفسه، يُلاحظ ازدياد في حجم التجارة الثنائية مع الدول الأعضاء الأخرى. وهذا يُشير إلى تعميق التكامل الاقتصادي وعلاقات التعاون في المنطقة.

من هذا المنطلق، ستُمثل قمة منظمة الدول التركية المُقبلة، التي ستُعقد في مدينة تركستان، منصةً حيويةً لمناقشة التوجهات المستقبلية للتعاون متعدد الأطراف، ووضع مبادرات مشتركة جديدة. ونظرًا لموضوع القمة، يُتوقع إيلاء اهتمام خاص للتحول الرقمي، وتطوير بيئات الابتكار المشتركة، وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون في البنية التحتية الرقمية، وتدريب كوادر حديثة عالية الكفاءة.

في الوقت نفسه، من المقرر أن تتناول المناقشات تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، وتطوير الربط في مجال النقل والخدمات اللوجستية، وتوسيع نطاق التعاون الاستثماري، فضلاً عن تشجيع المشاريع المشتركة عالية التقنية والابتكارية في الفضاء التركي.

ووفقًا للخبراء، ستواصل أوزبكستان، بصفتها داعمة لتعميق التعاون العملي وتعزيز الثقة المتبادلة في الفضاء التركي، المساهمة الفعّالة في تحقيق الأهداف المشتركة للمنظمة. ومن المتوقع أن تُعطي الاتفاقيات والمبادرات المرتقبة دفعةً جديدةً لعمليات التكامل، وأن تخدم التنمية المستدامة للمنطقة، وأن تُعزز مكانة منظمة الدول التركية على الصعيد الدولي.

وكالة أنباء دونيو

 

Exit mobile version