عبدالحميد حميد الكبي
في عالم يشهد تحولات جيوسياسية سريعة، حيث تتداخل التحالفات الاقتصادية مع التوترات الأمنية، وتتغير خرائط التجارة العالمية تحت وطأة المنافسات الكبرى، تبرز سياسة أوزبكستان الخارجية كنموذج للانفتاح الاستراتيجي المدروس.لتصبح اليوم مركزاً للدبلوماسية الإقليمية في آسيا الوسطى.
هذه السياسة ليست مجرد رد فعل على التحديات الخارجية، بل هي رؤية فلسفية تعتمد على مبدأ “السلام والتعاون” كأداة لتعزيز السيادة الوطنية وتحقيق التنمية المستدامة. في ظل التهديدات العالمية مثل تغير المناخ، النزاعات الإقليمية، والانقسامات الاقتصادية، تؤكد سياسة أوزبكستان على أن الدبلوماسية الحقيقية تقاس بالنتائج الملموسة، لا بالكلمات الجوفاء.
إنها سياسة تعتمد على التوازن بين الشراكات الإقليمية والعالمية، مع التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية كمحرك رئيسي للنمو، مما يجعل أوزبكستان نموذجاً للدول الناشئة في بناء جسور التعاون في عالم متعدد الأقطاب.
يُعد الرئيس شوكت ميرضيائيف، الذي تولى السلطة في عام 2016، مهندس التحول الكبير في سياسة أوزبكستان الخارجية في السنوات الأخيرة.
تحت قيادته، تحولت البلاد من نمط دبلوماسي محافظ إلى نموذج مفتوح وبراغماتي، يركز على بناء شراكات استراتيجية متعددة الأطراف.
“نتيجة لسياستنا الخارجية المنفتحة والعملية والمدروسة جيداً والاستباقية، أصبحت أوزبكستان واحدة من المراكز العالمية للسلام والدبلوماسية”، كما قال الرئيس نفسه، مشدداً على أهمية الانفتاح لتحقيق التنمية.
في عام 2025 وحده، حققت أوزبكستان إنجازات ملحوظة، مثل تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والتي شكلت نقلة نوعية في العلاقات، مع التركيز على التجارة والاستثمار والطاقة المتجددة.
كما أدت إصلاحات ميرضيائيف الداخلية، مثل الإفراج عن سجناء سياسيين وتعزيز حقوق الإنسان، إلى تحسين صورة أوزبكستان دولياً، مما جذب استثمارات أجنبية بلغت 43 مليار دولار في 2025، مقارنة بسنوات سابقة.
في السياق الإقليمي، أعاد ميرضيائيف بناء الثقة مع الجيران، مثل كازاخستان وطاجيكستان، من خلال حل نزاعات الحدود وتعزيز التعاون في المياه والطاقة.
كما استضافت أوزبكستان قمة الاتحاد الأوروبي-آسيا الوسطى في سمرقند، مما يعكس دورها كمركز للحوار الدولي. “لا يوجد سوى مقياس واحد للنشاط الدبلوماسي، وهو النتائج!”، كما أكد الرئيس، مشيراً إلى أن هذه الجهود جزء من رؤية “أوزبكستان الجديدة” التي تركز على الانفتاح الاقتصادي، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ مع نمو الصادرات بنسبة 23%.
ميرضيائيف، بذلك، لم يفتح أبواب أوزبكستان فحسب، بل رسم طريقاً للازدهار المستدام، مستلهماً مبادئ السلام والتعاون كأساس للسيادة الوطنية.
وتلعب وزارة الخارجية الأوزبكية، تحت قيادة الوزير بختيور سعيدوف منذ ديسمبر 2022، دوراً محورياً في تنفيذ السياسة الخارجية المفتوحة والبراغماتية.
تأسست الوزارة في عام 1991، وتتولى تنسيق الاعتراف الدولي باستقلال أوزبكستان وبناء شبكة علاقات ثنائية، مع التركيز على المبادئ مثل السيادة المساوية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز السلام الإقليمي. حالياً، تحافظ أوزبكستان على علاقات دبلوماسية مع 163 دولة، وتدير 60 بعثة دبلوماسية وقنصلية، مع افتتاح 16 بعثة جديدة منذ 2017.
تساهم الوزارة في تعزيز التعاون الدولي من خلال المشاركة في منظمات مثل منظمة التعاون الشنغهاي (SCO) والأمم المتحدة، حيث تقود أوزبكستان مبادرات حول الأمن والتنمية. في 2025، ساهمت الوزارة في توقيع اتفاقيات تجارية بقيمة 160 مليار دولار، مما رفع حجم التجارة الخارجية إلى 80 مليار دولار.
كما تعزز البعثات الدبلوماسية الدبلوماسية الاقتصادية، حيث يُكلف السفراء بجذب الاستثمارات وفتح أسواق جديدة، مثل السوق العراقية التي استوردت منتجات أوزبكية بمئات الملايين.
علاوة على ذلك، تدعم الوزارة الهجرة العمالية القانونية، مع توسيع فرص العمل في أكثر من 30 دولة، وتحمي حقوق المواطنين الأوزبكيين في الخارج من خلال مراكز اتصال مجانية ومساعدة قانونية. في السياق الإقليمي، ساهمت في حوار “آسيا الوسطى بلس”، مما أدى إلى شراكات استراتيجية مع 19 دولة. هذه الجهود تعكس التزام الوزارة ببناء نظام متعدد الأقطاب، مع التركيز على النتائج الملموسة لتعزيز الأمن الاقتصادي والسياسي لأوزبكستان.
في الاجتماع الدبلوماسي الحاسم الذي عقد اليوم تحت رئاسة الرئيس شوكت ميرضيائيف، تم استعراض إنجازات السياسة الخارجية لعام 2025، الذي وصفه الرئيس بأنه “مث…

