Site icon Q8-Press

من الرقمنة إلى اللوجستيات: كيف تراهن أذربيجان على الممر الأوسط؟

عبدالحميد حميد الكبي

في عالم تتشابك فيه سلاسل التوريد وتتبدل فيه الخرائط الجيوسياسية بسرعة، يبرز الممر الأوسط كطريق يحاول أن يثبت نفسه بديلاً عملياً بين الصين وأوروبا.

أذربيجان، الواقعة في قلب هذا المسار، تعلن اليوم عن خطوات ملموسة في الرقمنة وتطوير النقل.

الأرقام مشجعة، والمشاريع طموحة، لكن السؤال يبقى قائماً: هل تكفي هذه الإصلاحات لتحويل الممر من مسار واعد إلى شريان موثوق؟ السؤال يستحق قراءة متوازنة، بعيداً عن المبالغة أو التشاؤم.

قالت وزارة التنمية الرقمية والنقل الأذربيجانية إن زمن عبور الشحنات على الطريق الصيني-الأوروبي انخفض من نحو 38–53 يوماً قبل سنوات قليلة إلى متوسط يقارب 12 يوماً حالياً. الرقم لافت، ويستند إلى إدخال أنظمة التصاريح الإلكترونية، وe-TIR وe-CMR، وتتبع البضائع في الوقت الفعلي، وتبسيط الإجراءات الجمركية والحدودية، وتسريع تبادل المعلومات بين الجهات الحكومية.

هذه ليست مجرد شعارات؛ فالتحول من الورق إلى الرقمي يقلل فعلاً من الاختناقات ويقلص أوقات الانتظار على الحدود.

لكن رقم الـ12 يوماً يحتاج إلى سياق. تشير التقارير الميدانية إلى أن المتوسط الفعلي يتراوح غالباً بين 12 و18 يوماً، وقد يمتد أحياناً أكثر بسبب عبور بحر قزوين أو تغيير المقاييس السككية أو التنسيق بين الدول. التحسن حقيقي، لكنه غير متساوٍ بعد على طول المسار بأكمله.

على صعيد البنية التحتية، نفذت أذربيجان مشاريع ملموسة: رفع الطاقة السنوية لخط سكة حديد باكو-تبليسي-كارس إلى 5 ملايين طن (بعد أن كانت حوالي مليون طن)، وتحديث نقاط التفتيش الحدودية، وكهربة وتطوير شبكة السكك الحديدية، وبناء وترميم الطرق السريعة، وتطوير المطارات.

الخطوة الأبرز هي إنشاء نظام المعلومات «النافذة الواحدة»، منصة لوجستية رقمية تسرّع معالجة المستندات وتبسط الإجراءات وتخلق بيئة أكثر مرونة للشركات.

المرحلة التالية تشمل دمجها مع أنظمة الدول الشريكة في الممر. وتعمل الوزارة أيضاً مع شركاء دوليين على التقديم التدريجي لأدوات مثل e-CMR وe-Permit وبوليصة الشحن الإلكترونية e-CIM/SMGS.

هذه التطورات جزء من استراتيجية أوسع. تتعاون أذربيجان بنشاط مع دول الممر لتعزيز روابط النقل وتحسين الإجراءات الحدودية وتوسيع تبادل البيانات الرقمية. تحديث خط باكو-تبليسي-كارس، وتوقيع عقود لشراء عربات سكك حديدية حديثة، وتنسيق أقوى بين موانئ بحر قزوين، ومشاريع مشتركة في إطار المنظمة الدولية للنقل عبر بحر قزوين، كلها تهدف إلى رفع الموثوقية والقدرة التنافسية للطريق.

وقد أُعدت خرائط طريق ثنائية ومتعددة الأطراف، ووُقعت اتفاقيات ومذكرات تفاهم، ويجري العمل على اتفاقية متعددة الأطراف يُتوقع أن تكون خطوة مؤسسية مهمة لتعزيز الممر.

الممر الأوسط نفسه طريق نقل وتجارة يربط آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا. وهو بديل عن الممرات الشمالية والجنوبية التقليدية، ويوفر رابطاً برياً بين الصين وأوروبا. في السنوات الأخيرة ارتفعت أحجام الشحن بشكل ملحوظ، مدفوعة جزئياً بالاضطرابات في المسارات الأخرى. وتسعى أذربيجان إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة تنافسية مستدامة من خلال الرقمنة.

من الناحية التحليلية، تمثل الإصلاحات الرقمية نقلة نوعية حقيقية. يمكن لـالنافذة الواحدة والمنصات المتكاملة أن تقلل البيروقراطية وترفع الشفافية وتجعل التنبؤ بحركة البضائع أسهل. ويساهم إدخال e-TIR وe-CMR في عمليات بلا ورق عبر الحدود، وهذا أمر حيوي في ممر متعدد الوسائط يمر بعدة دول. كما أن رفع طاقة خط باكو-تبليسي-كارس إلى 5 ملايين طن يعالج أحد الاختناقات الرئيسية، خاصة بعد اكتمال أعمال التحديث في القسم الجورجي.

ومع ذلك، يبقى التوازن مطلوباً. لا يزال الممر يواجه تحديات هيكلية: سعة محدودة نسبياً مقارنة بالمسارات البحرية أو الشمالية، وتكاليف أعلى في بعض الحالات، واختناقات محتملة في عبور بحر قزوين أو في التنسيق الجمركي بين الدول. الرقمنة وحدها لا تحل مشكلة البنية التحتية المادية أو اختلاف المعايير.

ويعتمد النجاح على استمرار التعاون مع كازاخستان وتركمانستان وجورجيا وتركيا، وعلى مزامنة الاستثمارات، وعلى بناء ثقة المشغلين الدوليين الكبار الذين يفضلون المسارات الأكثر استقراراً وتنبؤاً.

لذلك تتحرك أذربيجان بوعي استراتيجي. في وقت تشهد فيه سلاسل التوريد العالمية اضطرابات، يصبح الممر الأوسط خياراً جذاباً للتنويع. والإصلاحات الرقمية ليست ترفاً، بل ضرورة لجعل الطريق قابلاً للمنافسة. لكن الطريق لا يزال طويلاً. فالانتقال من إعلانات المشاريع إلى تشغيل سلس يومي يتطلب وقتاً وتكاليف واستمرارية سياسية وفنية.

ما تقوم به أذربيجان اليوم يستحق المتابعة. الأرقام تتحسن، والمنصات الرقمية تُبنى، والطاقة الاستيعابية ترتفع. هذا ليس مجرد تحديث إداري، بل محاولة لإعادة رسم دور البلاد في خريطة التجارة الأوراسية. النجاح لن يكون فورياً ولا مضموناً بالكامل، لكن الاتجاه واضح والجهد جاد. في عالم يحتاج إلى طرق متعددة ومرنة، يبقى الممر الأوسط فرصة حقيقية، وأذربيجان تضع نفسها في قلب هذه الفرصة.

في النهاية، ستأتي الإجابة من النتائج على الأرض، لا من البيانات الصحفية.

كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

Exit mobile version