Site icon Q8-Press

منتدى باكو 2026: الاستثمارات الجديدة ومستقبل الاقتصاد الأذربيجاني

عبدالحميد حميد الكبي- كاتب رأي متخصص في شؤون آسيا الوسطى وأذربيجان

في باكو، يوم 26 سبتمبر 2026، اجتمع مسؤولون ومستثمرون يمثلون مؤسسات تدير أصولاً تُقدَّر بعشرات التريليونات من الدولارات.

حيث لم يكن المشهد مجرد مؤتمر آخر يُضاف إلى رزنامة المنتديات الدولية

لقد كان محاولة واضحة لإعادة تقديم أذربيجان كلاعب في سلاسل التوريد والطاقة والبنية الرقمية، في عالم يبحث عن بدائل ويخشى الاضطراب في آن واحد.

تحت رعاية الرئيس إلهام علييف انعقد المنتدى الدولي الثاني للاستثمار، ومعه حوار البنية التحتية الذي نظمه صندوق النفط الحكومي (SOFAZ) مع بلاك روك.

النتائج المعلنة لافتة: 23 وثيقة بقيمة 10.8 مليار دولار، ترتفع إلى 16.7 مليار إذا أُضيفت مشاريع أسبوع باكو للطاقة. لكن الأرقام وحدها لا تصنع مستقبلاً. السؤال الأهم: هل هذه الثقة قابلة للاستمرار، أم أنها لحظة جيوسياسية عابرة؟

بدأ اليوم بحوار البنية التحتية عبر ثلاث جلسات. الأولى أدارها تشارلز حاتمي من بلاك روك وشارك فيها وزير الاقتصاد ميكاييل جباروف ووزير النقل الرقمي رشاد نبييف ومسؤولون من تيماسيك، وركزت على الطلب المتزايد على قدرات معالجة البيانات وأهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في البنية الرقمية. الثانية قادها إريك فارفيل من GIP وجمعت وزير الطاقة برويز شهبازوف ورئيس سوكار ومسؤولين من شركات طاقة متجددة، وناقشت أمن الطاقة وتغير أولويات الاستثمار. الثالثة تناولت الممرات الاستراتيجية بمشاركة نائب وزير النقل ومسؤولين من شركات قابضة ومطارات.

الرسالة المشتركة كانت واضحة: رأس المال المؤسسي طويل الأجل والشراكات العامة-الخاصة هما العمود الفقري لأي بنية حديثة. حضور هذه الأسماء يعني اهتماماً جدياً، لكنه لا يضمن التنفيذ التلقائي.

الجزء الأبرز كان الحوار المباشر بين الرئيس علييف وأديبايو أوجونليسي، رئيس مجلس إدارة GIP.

استعرض المحاور مؤشرات عن تطور الاقتصاد الأذربيجاني: نمو الناتج المحلي من نحو 7 مليارات دولار إلى 76 ملياراً، ارتفاع نصيب الفرد أكثر من ثمانية أضعاف، انخفاض الفقر من 45% إلى 5%، وتضاعف أصول صندوق النفط عشرات المرات حتى قاربت 75 مليار دولار. الاقتصاد غير النفطي أصبح يشكل 71% من الناتج، وإنتاج الغاز ارتفع من 5 مليارات متر مكعب إلى 50 ملياراً. الدين العام منخفض، والبنية التحتية المادية تغيرت كثيراً. على الصعيد السياسي، استعادة السيطرة على الأراضي المعترف بها دولياً واتفاقية السلام في البيت الأبيض شكّلتا خلفية مهمة.

الرئيس علييف شكر المقدمة ثم انتقل إلى المستقبل. الأولويات التي ذكرها: الطاقة المتجددة، والنقل واللوجستيات، والتعدين، ومراكز البيانات المستفيدة من فائض الطاقة.

أشار إلى إمكانية نظرية تصل إلى 157 غيغاواط من طاقة الرياح البحرية في القطاع الأذربيجاني من بحر قزوين، إضافة إلى مشاريع برية تعمل بالفعل. الهدف تقليل استهلاك الغاز في توليد الكهرباء وتوجيه الفائض للتصدير. النفط والغاز سيظلان مهيمنين ويولدان الثروة التي تُعاد استثمارها. هذا الاعتراف صريح ومهم. في حديثه عن المزايا ركز على الاستقرار السياسي والاقتصادي لأكثر من ثلاثة عقود، والدين الخارجي المنخفض (حوالي 5.6% من الناتج)، واحتياطيات العملة التي تفوق الدين الخارجي بنحو عشرين مرة، وسعر الصرف المستقر منذ 2017.

أما عن البنية التحتية المحلية فقال إن معظمها مكتمل: تغويز بنسبة 96%، وكهرباء وإنترنت عريض النطاق بنسبة 100%. ما يحتاجه الآن هو البنية التي تخدم المصالح المتعددة الجنسيات: النقل الرقمي والجمركي، وخطوط نقل الكهرباء نحو أوروبا وآسيا الوسطى، وتخزين الطاقة.

هذه الرؤية واقعية في ظاهرها. لكن الفجوة بين الناتج غير النفطي (أكثر من 70%) والصادرات (أكثر من 90% نفط وغاز) تبقى التحدي الأكبر. بناء القدرات البشرية، كما أكد الرئيس مستذكراً تجربة النفط في التسعينيات، شرط لا يُشترى بالمال وحده.

في اليوم نفسه استقبل الرئيس علييف رؤساء ثلاث مؤسسات عملاقة: نيوبرغر بيرمان (613 مليار دولار أصول)، وبروكفيلد (أكثر من تريليون)، وGIP (نحو 170 مليار ضمن بلاك روك التي تدير 15.3 تريليون).

التعاون مع نيوبرغر بيرمان يعود إلى 2015، وبروكفيلد تملك منصات واسعة في الاتصالات والسكك والبيانات. هذه اللقاءات تعطي إشارة سياسية واضحة: أذربيجان تريد رأس مال طويل الأجل في البنية والطاقة والرقمنة.

ممثلو أكوا باور ومصدر أكدا أن أذربيجان ليست مجرد موقع لمشروع طاقة، بل حلقة في استراتيجية إقليمية تربط آسيا الوسطى بالقوقاز وتركيا وأوروبا. أكوا باور تراها جزءاً محورياً من خططها، ومصدر تعتبرها سوقاً رئيسية ومركزاً إقليمياً لتبادل الخبرات. الدعم الحكومي المفتوح كان عاملاً حاسماً حسب تصريحاتهم.

على صعيد النقل، أعلن نائب رئيس السكك الحديدية الكازاخستانية أن طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين نقل نحو 44 ألف حاوية مكافئة في الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بزيادة 58%. الممر لم يعد طريقاً فحسب، بل نظاماً متعدد الوسائط يحتاج إلى تنسيق أكبر في التعريفات والرقمنة والقدرات البحرية. الهدف الأذربيجاني المعلن: الوصول إلى 25 مليون طن بحلول 2030.

أما رئيس البنك المركزي، فأضاف طبقة مالية مهمة: الاحتياطيات الاستراتيجية تتجاوز الناتج المحلي وتغطي 41 شهراً من الواردات، وتفوق المعروض النقدي 3.5 مرات. الدين الخارجي نحو 6%، والدولرة في أدنى مستوياتها، والتضخم ضمن النطاق المستهدف، ونمو الناتج غير النفطي المتوقع 4.4% بنهاية العام. هذه مؤشرات قوة تمنح هامش مناورة في بيئة عالمية مضطربة.

لذلك توقيع 23 وثيقة بقيمة 10.8 مليار دولار، ووصول الإجمالي مع مشاريع الطاقة إلى 16.7 مليار، يعكس ثقة معلنة. مساعد الرئيس شاهمار موفسوموف أشار إلى أن الصناديق المشاركة تدير أكثر من 30 تريليون دولار، وأن الأساس وُضع لمشاريع أكبر في الرقمنة والتحول. انخفاض التحويلات من صندوق النفط إلى الموازنة مع استمرار نمو الموازنة نفسها يُقرأ كمحاولة لإدارة الموارد بشكل أكثر استدامة، مع الإبقاء على حوافز للقطاع الخاص غير النفطي.

لكن التحليل المتوازن يفرض النظر إلى الجانب الآخر. الاعتماد التصديري على الهيدروكربونات لا يزال مرتفعاً جداً. مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كوادر وكابلات وأطر تنظيمية واضحة، وهذه تحتاج وقتاً. الممر الأوسط ينمو، لكنه يواجه منافسة وقيوداً لوجستية مرتبطة بالعبارات والتنسيق بين عدة دول. أي تراجع طويل في أسعار الطاقة أو اضطراب إقليمي قد يضغط على الموازنة والاحتياطيات. الدعوة إلى زيارة البلاد ورؤية الواقع بنفس العين مفهومة، لكنها لا تغني عن شفافية مستمرة وإصلاحات إدارية تجعل المستثمر يشعر بالأمان بعد مغادرة القاعة.

أعتقد ما حدث في باكو ليس وهماً ولا معجزة. هو استثمار ذكي في لحظة تسمح لدولة ذات موقعااستراتيجي، غنية بالموارد ، بأن تعرض نفسها كشريك في عالم يبحث عن بدائل. الأرقام قوية، والرؤية معلنة، واللاعبون الكبار حضروا. لكن الاقتصاد يُبنى بالمشاريع التي تُنجز في وقتها وبتكلفتها وجودتها، وبالكوادر التي تبقى، وبالقواعد التي لا تتغير فجأة.

أذربيجان تملك اليوم هامشاً مالياً وطموحاً واضحاً. العقد المقبل سيحدد ما إذا كان هذا الهامش سيتحول إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل هشاشة، أم أن النفط والغاز سيظلان يحددان الإيقاع كما فعلا دائماً. الإجابة لن تأتي من تصفيق القاعة، بل من الميدان بعد أن يغادر الضيوف.

Exit mobile version