Site icon Q8-Press

انخفاض أسعار الأراضي في الكويت… أثر قانون أم تصحيح مؤقت؟

على الرغم من الانخفاض الواضح في أسعار السكن الخاص بعد تطبيق قانون مكافحة احتكار الأراضي، فإن السوق لا يزال بعيداً عن التوازن الحقيقي… هذا التراجع يطرح أسئلة جوهرية: هل نحن أمام تصحيح فعلي في السوق العقاري، أم مجرد مرحلة مؤقتة ستنتهي بارتفاعات جديدة؟

وإلى أي مدى نجح قانون مكافحة احتكار الأراضي في التأثير على أسعار السكن في الكويت؟

وهل كان كافياً لإعادة ضبط السوق، أم أن تأثيره بقي محدوداً ضمن منظومة أوسع من العوامل الاقتصادية والتنظيمية؟

وفي هذا السياق، أصدرت وزارة المالية القرار رقم 11 لسنة 2026 بشأن اللائحة التنفيذية للقانون رقم 126 لسنة 2023 الخاص بمكافحة احتكار الأراضي الفضاء، حيث اعتمدت قواعد حساب وتحصيل الرسوم، وبدأ تطبيقها فعلياً في 1 مارس 2026.

ويأتي هذا القانون في إطار محاولة معالجة أحد أبرز اختلالات السوق العقاري، والمتمثل في حجز مساحات كبيرة من الأراضي دون تطوير، بما يحدّ من المعروض ويرفع الأسعار، وفي قراءة أكثر تفصيلاً لحركة السوق العقاري، يقدّم عدد من المتخصصين في حديثهم لـ «الجريدة» تقديراتهم حول حجم تأثير القانون وحدوده الفعلية.

يرى عضو مجلس الإدارة التنفيذي في شركة «أعيان» إبراهيم أديب العوضي أنه عند قياس نجاح قانون مكافحة احتكار الأراضي الفضاء وتأثيره على أسعار السكن في الكويت، يجب النظر إلى حركة القطاع السكني خلال السنوات الـ 5 أو الـ 6 الماضية، مع الأخذ في الاعتبار أن القانون صدر في نوفمبر 2023 ودخل حيز التنفيذ في مارس 2026.

ويشير العوضي إلى أن السكن الخاص شهد ارتفاعات كبيرة جداً بعد أزمة كورونا، واستمرت هذه الارتفاعات حتى سبتمبر 2022، أي قبل صدور القانون، حيث لاحظنا وقتها وجود تراجع في السكن الخاص، لكن هذا التراجع اختلف من منطقة إلى أخرى، وكان يتركز في المناطق التي شهدت مضاربات كبيرة أو المناطق البعيدة عن مركز العاصمة، مثل الخيران السكنية، المسيلة، الفنيطيس، أبوفطيرة، وجنوب السرة.

إبراهيم العوضي:

• حركة القطاع السكني خلال آخر 5 سنوات كفيلة بالحكم على مدى نجاح القانون

• أتوقع استمرار انخفاض أسعار الأراضي خلال العام الحالي فقط ثم تعود إلى الارتفاع

• عدد الأراضي الفضاء لا يتجاوز 13 ألف قطعة

عملية تصحيح

وأضاف أن هذه المناطق بدأت تشهد عملية تصحيح، لكن من سبتمبر 2022 (ذروة الارتفاعات) وحتى صدور القانون، كانت الانخفاضات محدودة، تتراوح بين 5 في المئة إلى 7 في المئة فقط، أي أنها لم تؤثر بشكل كبير، وبعد صدور القانون، لوحظ انخفاض واضح في أسعار السكن الخاص من نوفمبر 2023 حتى اليوم.

لا توجد أرقام رسمية دقيقة، لكن وفقاً لدراسات الجهات المختصة، بلغ متوسط الانخفاض حوالي 25 في المئة، ووصل في بعض المناطق إلى 35 في المئة من ذروة الارتفاع.

وضرب العوضي مثالاً بالخيران السكنية، التي شهدت انخفاضاً يصل إلى 35 في المئة، فيما تراوحت الانخفاضات في مناطق المسيلة، الفنيطيس، وأبوفطيرة بين 25 في المئة إلى 27 في المئة، وسجلت جنوب السرة انخفاضاً يقارب 25 في المئة، أما من وقت صدور القانون حتى اليوم، فبلغ متوسط الانخفاض حوالي 20 في المئة، مع تسجيل أعلى انخفاض في الخيران السكنية بنسبة تقارب 30 في المئة.

وتابع أن قانون مكافحة احتكار الأراضي الفضاء جاء متزامناً مع قوانين أخرى، مثل إلغاء الوكالة العقارية غير القابلة للعزل، وفرض قيود على تمويل القطاع السكني، وهي عوامل ساهمت في انخفاض الأسعار، إلى جانب عوامل أخرى مثل عدم الاستقرار الناتج عن قضايا سحب الجنسيات، وبعض المواد القانونية، بالإضافة إلى الأوضاع الإقليمية، متسائلاً: هل سيستمر انخفاض الأسعار بسبب هذا القانون فقط؟

وأجاب العوضي عن سؤاله بقوله، من وجهة نظري، القانون وحده لن يكون كافياً، وسيستمر الانخفاض خلال هذا العام فقط، ثم تعود الأسعار للارتفاع مرة أخرى، والسبب في ذلك أن عدد الأراضي الفضاء لا يتجاوز 13 ألف أرض، وهي نسبة لا تتجاوز 6 في المئة من إجمالي العقارات السكنية في الكويت، في المقابل، هناك حوالي 103 آلاف طلب إسكان حالياً، وقد يصل العدد إلى 197 ألف طلب خلال السنوات القادمة.

وأكد أنه عند المقارنة، نجد فجوة كبيرة بين الطلب (103 آلاف طلب) والمعروض (حوالي 12 ألف أرض فقط)، وعند مقارنة الكويت بدول الخليج مثل السعودية، البحرين، والإمارات، نجد أن نسبة الأراضي الفضاء لديهم تتراوح بين 35 في المئة إلى 38 في المئة، مما يوفر مخزوناً أكبر يمكن التحكم من خلاله في الأسعار، أما في الكويت، فعدد الأراضي المتاحة والقابلة للتطوير لا يتجاوز 12 ألف أرض تقريباً، وهو رقم محدود جداً، لذلك، إذا كان الهدف هو جعل السكن في متناول الجميع، فيجب أن يكون هناك تدخل حكومي أكبر من خلال إصدار قوانين إضافية، وفرض رسوم أو تعرفة كهرباء غير مدعومة على من يملك أكثر من بيت، وتسريع تطبيق قوانين الأراضي الفضاء، مع طرح المزيد من الأراضي للمواطنين.

وشدد على أنه إذا استمر الوضع الحالي دون تشريعات أو مشاريع جديدة، فمن المرجح أن يكون هذا العام هو آخر عام نشهد فيه انخفاض الأسعار، وبعد ذلك ستعود للارتفاع، وهذا ليس أمراً جديداً، فالتجارب السابقة تثبت ذلك في 1994، وفي 2008، كلما تم فرض رسوم على الأراضي الفضاء، انخفضت الأسعار مؤقتاً، ثم عادت للارتفاع بشكل أكبر، كما أن الأزمات السابقة مثل حرب العراق 2003، والأزمة المالية 2008، وركود 2013 كلها شهدت انخفاضات في أسعار العقار، لكنها عادت وارتفعت لاحقًا بشكل أكبر.

تأثير كبير 

من جهته يرى الرئيس التنفيذي لشركة «مباني» وليد الشريعان أنه لا شك بأن للقانون تأثيراً كبيراً على أسعار الأراضي والمنازل، نتيجة زيادة العرض الآني خلال عامي 2026 و2027، إلا أن ما سيُطرح خلال هذه الفترة يظل محدوداً، ولا يعكس حجم النقص الفعلي في السوق، ويؤكد أن القانون وحده لا يعالج أزمة السكن، بل يحتاج إلى التكامل مع قوانين أخرى، مثل قانون المدن الإسكانية وقانون الرهن العقاري، والتي يمكن أن تسهم في معالجة الأزمة بشكل أوسع وخفض الأسعار.

وليد الشريعان:

• تأثير كبير لقانون مكافحة احتكار الأراضي على أسعارها لكنه لا يكفي وحده لمعالجة أزمة السكن بل يحتاج للتكامل مع قوانين أخرى

• يجب ضمان تحفيز السوق وزيادة المعروض بشكل فعَّال ومستدام

• الأكثر أهمية من إصدار التشريعات هو مراجعتها وتطويرها ويشير الشريعان إلى أن العامل الحاسم لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في مراجعتها وتطويرها، بما يتناسب مع المطورين والمستثمرين، لضمان تحفيز السوق وزيادة المعروض بشكل فعّال ومستدام، مؤكداً أن أي تحرك تشريعي لا يأخذ بعين الاعتبار بيئة الاستثمار قد يؤدي إلى نتائج محدودة التأثير. انخفاض الأسعار وفي قراءة إضافية لحركة السوق من زاوية التداول والإيجارات، يرى مدير مكتب «الدليجان» العقاري، سليمان الدليجان، أن تأثير قانون مكافحة احتكار الأراضي بدأ فعلياً منذ نحو 6 إلى 8 أشهر، مع تطبيقه في بداية 2025، واستمر خلال الربع الأول من 2026، حيث كان الأثر الأولي كما هو متوقع بانخفاض الأسعار. غير أن الدليجان يشير إلى مفارقة لافتة تمثلت في ارتفاع حجم التداول بشكل ملحوظ، إذ ارتفعت قيمة التداولات في السكن الخاص من نحو 50 مليون دينار إلى ما يقارب 62 مليوناً في أحد أشهر بداية العام، نتيجة إعادة طرح أراضٍ كانت مملوكة على شكل بلوكات، ثم تفكيكها وبيعها كقسائم منفصلة، ما أدى إلى تسجيل عمليات بيع متعددة ورفع حجم التداول.

ويؤكد أن تأثير القانون لايزال مستمراً، دون مؤشرات على ارتفاع قريب في الأسعار، لكنه يستبعد في الوقت ذاته حدوث انهيار حاد، مشيراً إلى اختلاف التأثير بحسب المناطق، حيث تتأثر المناطق ذات المعروض المرتفع، مقابل استقرار نسبي في الطلب بالمناطق القريبة من العاصمة.

سليمان الدليجان:

• السبب إعادة طرح أراضٍ كانت مملوكة على شكل بلوكات ثم تفكيكها وبيعها كقسائم منفصلة

• أستبعد حدوث انهيار حاد في الأسعار… واختلاف التأثير بحسب المناطق

• قانون مكافحة احتكار الأراضي بدأ تأثيره فعلياً منذ نحو 8 أشهر ولفت إلى أن بعض المناطق مثل سلوى والرميثية والجابرية تأثرت بإحجام نسبي من المشترين، نتيجة دخول مستثمرين سابقاً بكميات كبيرة من الأراضي، ومن جانب آخر، يوضح أن التوترات الإقليمية، بما فيها الحرب الأميركية – الإيرانية، لم تنعكس سلباً على سوق الإيجارات، سواء في المناطق السكنية أو الاستثمارية، رغم عدم توفر إحصائيات رسمية دقيقة، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 70 في المئة إلى 80 في المئة من المواطنين يعتمدون على الإيجار، ويعزو استقرار الإيجارات في المناطق الاستثمارية إلى قدرة موظفي القطاع الخاص على العمل عن بُعد، دون الحاجة إلى تغيير أنماط السكن.

تأثير مؤقت

في السياق ذاته، يرى رئيس اتحاد وسطاء العقار، عماد حيدر، أن قانون مكافحة احتكار الأراضي الفضاء ساعد في خفض أسعار الأراضي في القطاع السكني، لكن تأثيره يظل مؤقتاً، مرتبطاً بفترة تصريف الأراضي المعروضة، ليعود بعدها السوق إلى مسار الارتفاع مع تراجع المعروض مقابل الطلب.

ويشير حيدر إلى أن تراجع الأسعار في الفترة الماضية لم يكن نتيجة القانون فقط، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها وصول الأسعار في 2022 إلى مستويات تضخمية مرتفعة، ما استدعى تصحيحاً تدريجياً، إلى جانب زيادة المعروض مقارنة بالطلب، وتوزيعات المؤسسة العامة للرعاية السكنية، وخروج شريحة من المضاربين من السوق.

وأكد أن التوترات الإقليمية والتداعيات الجيوسياسية أسهمت بدورها في الضغط على الأسعار خلال الفترة الحالية، معتبراً أن القانون بصيغته الحالية لايزال ناقصاً، لكونه يركز على الأراضي السكنية دون أن يشمل الفلل، ما فتح المجال أمام الالتفاف عليه من خلال البناء العشوائي، ويستشهد بتجربة سابقة في 2008، حيث أدى فرض رسوم على الأراضي الفضاء إلى نتائج عكسية، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 106 في المئة بين عامي 2011 و2014.

عماد حيدر:

• تأثير قانون احتكار الأراضي يظل مؤقتاً لارتباطه بفترة تصريف الأراضي المعروضة

• القانون بصيغته الحالية لا يزال ناقصاً لأنه يركز على الأراضي ولا يشمل الفلل

• للتوترات الإقليمية دور في الضغط على الأسعار ويرى أن معالجة الخلل تتطلب إعادة النظر في نطاق القانون، سواء من خلال رفع الحد الأدنى لتطبيقه ليشمل المساحات الكبيرة فقط، أو توسيعه ليشمل الفلل إلى جانب الأراضي، بما يحقق الهدف الأساسي وهو خفض الأسعار وإخراج المحتكرين من السوق.

ويشدد على أن تحقيق انخفاض مستدام في الأسعار لا يمكن أن يتم عبر قانون واحد، بل من خلال منظومة متكاملة تشمل خفض تكاليف البناء، وتوفير مزيد من الأراضي، وتسريع التوزيعات السكنية، ومعالجة شاملة للقضية الإسكانية. على كل وبحسب آراء المعنيين، فإن المعطيات تشير إلى أن الانخفاض الحالي يعكس أثراً فعلياً لحزمة من العوامل، ويأتي قانون مكافحة احتكار الأراضي ضمنها، لكنه لا يكفي وحده لإعادة ضبط السوق بشكل مستدام، ما يعني أن استمرار هذا التراجع سيبقى مرهوناً بتدخلات أوسع تعالج فجوة العرض والطلب، وإلا فإن دورة الارتفاع قد تعود مجدداً كما حدث في تجارب سابقة.

الجريدة

Exit mobile version