اتسع خفض إنتاج النفط في الشرق الأوسط، مع بقاء مضيق هرمز الحيوي شبه متوقف عن الحركة، مما يزيد من حالة الفوضى في أسواق الطاقة.
وخفّضت أربع من أكبر دول المنطقة المنتجة للنفط، هي: السعودية والعراق والإمارات والكويت، إنتاجها مجتمعة بما يصل إلى 6.7 ملايين برميل يومياً، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية المعلومات.
تُعدّ هذه التخفيضات أبرز تحرّك على صعيد الإمدادات منذ اندلاع الحرب، إذ تعني أن الدول الأربع قلّصت إجمالي إنتاجها بنحو الثلث، كما سيتقلص بذلك نحو %6 من المعروض العالمي للنفط.
الصراع في المنطقة، الذي دخل الآن أسبوعه الثاني، واستقطب أكثر من عشر دول، دفع المنتجين إلى خفض الإنتاج، بعدما أدى الإغلاق الفعلي لمسار التصدير الرئيسي إلى امتلاء مرافق التخزين.
ودفعت هذه التطورات أسعار النفط إلى الاقتراب من 120 دولاراً للبرميل يوم الإثنين، قبل أن تتراجع لاحقاً، بعدما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الحرب قد تنتهي قريباً.
وخفضت السعودية إنتاجها بما يتراوح بين مليونين و2.5 مليون برميل يومياً، فيما قلّصت الإمارات إنتاجها بين 500 ألف و800 ألف برميل يومياً، وخفضت الكويت إنتاجها بنحو 500 ألف برميل يومياً، بينما قلّص العراق إنتاجه بنحو 2.9 مليون برميل يومياً، بحسب الأشخاص المطلعين.
من جانبه، امتنع الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، عن التعليق على مستويات الإنتاج خلال مكالمة إعلان الأرباح يوم الثلاثاء.
وعلى أساس نسبي، سجل العراق أكبر خفض في الإنتاج، بينما تمثل تخفيضات السعودية والإمارات والكويت نحو %20 إلى %25 من مستويات إنتاجها في فبراير، وفق بيانات جمعتها بلومبيرغ.
تداعيات إغلاق المضيق
ومن بين الدول التي تسعى اليوم لتقييم حجم انكشافها على تداعيات إغلاق مضيق هرمز، تبرز الصين من بين أكبر المتضررين، أسوة بدول آسيوية أخرى، تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، كاليابان والهند وكوريا الجنوبية. فالصين هي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأكبر جهة تتلقى تدفقات النفط العابرة لمضيق هرمز.
ولهذا السبب أمضت الصين العقدين الأخيرين، وهي تبني بهدوء مصدّات وقائية، يُفترض أن تمتص أي صدمة نفطية.
وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تستحوذ الصين على الحصة الأكبر من شحنات النفط الخام والمكثفات، التي كانت تعبر مضيق هرمز قبل إغلاقه الفعلي بداية الشهر بسبب الحرب الدائرة في الخليج. وتشكل إمدادات النفط القادمة من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران حوالي نصف إجمالي واردات الصين، التي تشتري أيضاً من قطر ربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال تقريباً.
وتُظهر منصات تتبع السفن أن عشرات ناقلات النفط وسفن الحاويات الصينية قد أوقفت عملياً عبورها للمضيق منذ بدء الهجوم على إيران في 28 فبراير، أسوة بجميع السفن التجارية الأخرى العالقة في الخليج.
لم تتحقق إلى الآن التكهنات المبكرة بإمكانية حصول الصين على ممر تفضيلي عبر المضيق، تكراراً لسابقة إعفاء السفن الصينية من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر عام 2024. وكانت هذه الآمال تستند إلى العلاقات القوية بين الصين وإيران، حيث استمرت الصين بشراء البترول الإيراني، بالرغم من العقوبات الغربية المفروضة على طهران، وإن بسعر رخيص نسبياً.
مخزونات إستراتيجية
تشير تقارير متخصصة بشؤون الطاقة إلى أن الصين تحتفظ بمخزونات استراتيجية وتجارية، تُقدّر بين 1.2 مليار برميل و1.39 مليار برميل من النفط، مما يعادل 100 الى 120 يوماً من صافي واردات النفط الخام، وفق معدلات عام 2025.
وهناك أيضاً 46 مليون برميل إضافي من النفط الإيراني متوفر في سفن أو حاويات تخزين عائمة في البحار بالقرب من الصين وفي مخازن تابعة للجمارك الصينية.
كما تحتفظ السعودية والإمارات باستطاعة تصدير عبر الأنابيب تلتف على مضيق هرمز: 5 ملايين برميل يومياً في السعودية عبر خط أنابيب، يصل حقول النفط في شرق المملكة إلى ميناء ينبع للتصدير على البحر الأحمر، و1.5 مليون برميل يومياً عبر خط أنابيب يصل أبوظبي بالفجيرة على خليج عُمان. ومن المرجح أن تحصل الصين على جزء أساسي من هذه التدفقات، بحكم كونها السوق الآسيوي الأكبر.
وأياً تكن مخرجات الأزمة، فهي ستُسرّع حتماً جهود الصين لتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات القادمة من الشرق الأوسط، وزيادة حجم تلك المستوردة من روسيا بواسطة أنابيب عابرة لسيبيريا. وكذلك تطوير مصادر أخرى كالطاقة المتجددة والفحم الحجري، الذي لا يزال يشكل المصدر الأكبر لتوليد الكهرباء.
20 % من إمدادات النفط العالمية تأثرت بالصراع الدائر
شهدت أسعار النفط ارتفاعات بشكل صاروخي، لأن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، وفقا لما ذكرته شبكة «سي ان ان» الإخبارية، وتشير التقديرات إلى أن حوالي %20 من إمدادات النفط العالمية قد تأثرت بالصراع الدائر، وهذا الرقم يعادل ضعف الرقم القياسي المسجل خلال أزمة السويس في الفترة 1956 ــ 1957، وفقًا لبيانات تاريخية من مجموعة رابيدان للطاقة. وكتب بوب ماكنالي، مؤسس ورئيس شركة رابيدان، في تقرير صدر مؤخراً، في إشارة إلى الصراع الحالي: «إن حرب الخليج الثالثة هي أكبر اضطراب نفطي في التاريخ حتى الآن».
ولم تقتصر آثار الحرب على تعطيل تدفق النفط خارج المنطقة فحسب، بل قضت فعلياً على «الطاقة الإنتاجية الفائضة»، التي تُعدّ عادةً بمنزلة صمام أمان في أسواق الطاقة. وتقيس الطاقة الإنتاجية الفائضة مقدار إنتاج النفط الإضافي، الذي يمكن استئنافه بسرعة عند الحاجة.
خلال أزمة السويس في خمسينيات القرن الماضي، بلغت الطاقة الإنتاجية الفائضة المتاحة حوالي %35. لكن رابيدان يقول إن الطاقة الإنتاجية الفائضة اليوم تقترب من الصفر، لأن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما المساهمتان الرئيسيتان في الطاقة الإنتاجية الفائضة، قد انقطعتا عن أسواق النفط العالمية. وكتب ماكنالي: «النتيجة هي سوق بلا هامش أمان يُذكر، لا يوجد منتج بديل يمكنه التدخل، سيحتاج سوق النفط العالمي إلى تحقيق التوازن من خلال خفض الطلب الناجم عن الارتفاع الحاد في أسعار النفط».
القبس

