بقلم: عبدالحميد حامد الكبي
أطلقت جمهورية أوزبكستان النسخة المحدثة من استراتيجية أوزبكستان 2030 في أبريل 2026، وهي الإطار الاستراتيجي الرئيسي للتنمية الوطنية متوسطة وطويلة الأجل في البلاد. جاء هذا التحديث بعد تقييم شامل للإنجازات التي تحققت في الفترة من 2023 إلى 2025، ومناقشات عامة واسعة شملت آلاف المواطنين والخبراء.
ويعكس ذلك التزامًا حقيقيًا بمبدأ “دولة تخدم الشعب” الذي يؤكد عليه الرئيس شوكت ميرضيايف باستمرار.تهدف الاستراتيجية إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام، والاستدامة البيئية، وتنمية رأس المال البشري، مع التركيز على الحوكمة الفعالة والرفاه الاجتماعي.
وتتضمن الاستراتيجية 100 هدف قابل للقياس يتم تقييمها سنويًا حتى عام 2030، مع تحديد واضح للجهات المسؤولة ومصادر التمويل، مما يعزز المساءلة والشفافية.
شهدت أوزبكستان تقدمًا اقتصاديًا ملحوظًا، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 107.5 مليار دولار في عام 2023 إلى أكثر من 145-152 مليار دولار في عام 2025، محققًا نموًا بنسبة 7.7% في عام 2025، وهي أعلى نسبة في خمس سنوات.
وانخفض معدل الفقر من 11% إلى 5.8%، وتراجع البطالة من 6.8% إلى 4.8-4.9%. وفي عام 2025، الذي أُعلن “عام حماية البيئة والاقتصاد الأخضر”، تم زراعة ملايين الأشجار حول بحر آرال، وشهد قطاع الطاقة المتجددة توسعًا كبيرًا.
تستهدف الاستراتيجية رفع حصة الطاقة المتجددة إلى 54% بحلول عام 2030، وزيادة القدرة الإنتاجية إلى عشرات الغيغاواط، مدعومة بإصدار سندات خضراء واستثمارات أجنبية. كما تسعى إلى الوصول بناتجها المحلي الإجمالي إلى 240 مليار دولار، ورفع الدخل للفرد من 3800 دولار إلى 5800 دولار للانضمام إلى مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط العالي.
ومن الأهداف الاقتصادية الأخرى: الحفاظ على معدل التضخم عند 5%، وإبقاء الدين العام أقل من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، والحد من العجز في الميزانية إلى لا يتجاوز 3%.
وفي المجال الاجتماعي، تخطط الاستراتيجية لرفع نسبة الالتحاق بالتعليم قبل المدرسي إلى 80%، وتجهيز المدارس بلوحات إلكترونية وكتب مدرسية حديثة، ومضاعفة رواتب المعلمين، وتدريب 500 ألف عامل في قطاع التعليم. كما تهدف إلى رفع متوسط العمر المتوقع إلى 78 عامًا، وزيادة الإنفاق على الصحة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتقليل الوفيات المبكرة، وتوسيع الخدمات الصحية الرقمية.
وفي مجال العلوم والابتكار، تستهدف زيادة التمويل العلمي إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي، والدخول إلى قائمة أفضل 60 دولة في مؤشر الابتكار العالمي.
أما سياسة الشباب فتركز على تعليم سبعة ملايين شاب اللغات الأجنبية مجانًا، وتمكين ثلاثة ملايين منهم من إتقان مهن حديثة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وخلق 300 ألف فرصة عمل في مجال تكنولوجيا المعلومات.وفي الاقتصاد الأخضر، تهدف إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 35%، وزيادة كفاءة استخدام المياه بنسبة 25%، وتوسيع المساحات الخضراء حول بحر آرال. كما تشمل خلق 1.8 مليون وظيفة صناعية جديدة، وإنتاج مليون سيارة (منها 200 ألف سيارة كهربائية)، وجذب 150 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية من خلال 400 مشروع استراتيجي.تعتمد التنفيذ على برنامج “أوزبكستان الرقمية 2030” ومبادرة “صفر بيروقراطية 2030” لتبسيط الإجراءات، إلى جانب نظام مراقبة رقمي يقيم النتائج باستخدام مؤشرات ملونة واضحة.
وتعزز الاستراتيجية سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وحماية حقوق الإنسان، مع انتهاج سياسة خارجية توسع نطاق التأشيرات المجانية وتسعى للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
يمثل التحديث تحولًا نوعيًا من النمو الكمي إلى النمو النوعي، مع التركيز على الاقتصاد الأخضر، واستعادة بحر آرال، والرقمنة لتعزيز الكفاءة. وتدعم هذه التوجهات شراكات دولية مع الأمم المتحدة والبنك الدولي وبنك التنمية الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
ومع ذلك، تبقى تحديات قائمة مثل تقليل الاعتماد على صادرات المواد الخام، وتعزيز الابتكار المحلي، وجذب تمويل إضافي لمكافحة التغير المناخي.ومن أبرز الجوانب الواعدة فتح آفاق أوسع للشراكة مع دول الخليج.
تمتلك الكويت رؤية وطنية طموحة تُعرف بـ”رؤية الكويت 2035″، التي أُطلقت عام 2017، وتهدف إلى تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري إقليمي وعالمي جاذب للاستثمار.
تركز الرؤية الكويتية بشكل أساسي على جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز دور القطاع الخاص كمحرك للنمو الاقتصادي، وهو ما يتوافق تمامًا مع أهداف أوزبكستان في الخصخصة وجذب 150 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية عبر أكثر من 400 مشروع استراتيجي.تتقاسم الرؤيتان أولويات في تنويع الاقتصاد، وتنمية رأس المال البشري من خلال التعليم والابتكار، والاستثمار المشترك.
ويمكن للبلدين تبادل الخبرات في مجال الطاقة المتجددة، واللوجستيات عبر ممر الحزام والطريق، والاستثمارات المشتركة، مما يحقق فائدة متبادلة ويعزز التعاون بين منطقة الخليج وآسيا الوسطى.وجهة نظريتُعد استراتيجية أوزبكستان 2030 نموذجًا ملهمًا للدول النامية، إذ تجمع بين الطموح الوطني والمشاركة الشعبية الواسعة.
ويعكس هذا النهج تحولًا إيجابيًا نحو نمو مستدام وشفاف يعتمد على إصلاحات هيكلية. ورغم الحاجة إلى تعزيز المشاركة المدنية والتمويل الدولي، فإن الإنجازات تبشر بمستقبل أفضل.
في الختام
تمثل الاستراتيجية المحدثة خطوة نوعية نحو اقتصاد قوي ومجتمع مزدهر. وتؤكد التزام الحكومة بتحسين جودة الحياة.
وبالنسبة للكويت التي تسير نحو رؤيتها 2035، فإن تقدم أوزبكستان يمثل فرصة حقيقية لشراكات متوازنة ومثمرة تعود بالنفع على البلدين في مجالات الابتكار والتنمية المستدامة. ستعزز هذه الشراكات الروابط بين منطقة الخليج وآسيا الوسطى، وتخدم الأجيال الحالية والمستقبلية.

