Site icon Q8-Press

أوزبكستان تقدم للمجتمع الدولي فلسفة تكامل مدروسة بعمق

قبيل انعقاد الاجتماع الثاني لـ«حوار ترمذ حول الترابط بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية»، وهو حدث محوري للتكامل بين الأقاليم سيُعقد في الفترة من 4 إلى 6 يونيو، أجاب أكرامجون نعمتوف، النائب الأول لمدير معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس أوزبكستان، عن أسئلة وكالة «دونيو».

— أكرامجون إلهاموفيتش، سيبدأ خلال الأيام المقبلة الاجتماع الثاني في إطار حوار ترمذ. ما هي أجندة هذا المنتدى وأولوياته الرئيسية؟ معظم المراقبين يربطون هذه العملية أساساً بالقضايا الاقتصادية مثل السكك الحديدية والبنية التحتية للطاقة والتجارة العابرة. هل هذا هو جوهر مفهوم الترابط؟

— لا شك أن الاقتصاد يُعد أحد المكونات الرئيسية. فالتعاون الاقتصادي يخلق مصالح مشتركة ملموسة تربط الدول ببعضها، ويولد منافع متبادلة، ويشكل أساس ازدهار ونمو شعوبنا. وبطبيعة الحال، عندما نتحدث عن الترابط العابر للأقاليم، فإن الخدمات اللوجستية والتجارة وممرات النقل والطاقة والبنية التحتية تمثل الركيزة الأساسية والملموسة لهذه العملية.

لكن الترابط لا يمكن قياسه من منظور اقتصادي فقط. فأجندتنا أوسع بكثير، وأهدافنا أكثر طموحاً. نحن نتحدث عن إنشاء فضاء مشترك من الثقة والتنمية المستدامة والأمن غير القابل للتجزئة عبر القارة الأوراسية الشاسعة.

ولهذا السبب تحديداً تتميز أجندة حوار ترمذ بالشمولية، كما أن قائمة المشاركين فيه واسعة ومتنوعة. ويُنظم اجتماع هذا العام بالشراكة مع مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (CICA)، وليس ذلك من قبيل المصادفة، إذ إن المهمة الأساسية للمؤتمر كانت دائماً تعزيز تدابير بناء الثقة في آسيا. كما يحظى الحوار بدعم نشط من مركز الأمم المتحدة الإقليمي للدبلوماسية الوقائية لآسيا الوسطى (UNRCCA) وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (UNAMA).

وعلى الرغم من أن آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية تظلان في صلب المناقشات جغرافياً، فإن دولاً من مختلف أنحاء أوراسيا وخارجها تُعد أطرافاً ومساهمين كاملين في هذا الحوار، كما يتضح من الوفود القادمة من أذربيجان والصين وألمانيا وقطر وروسيا وسويسرا وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى.

ومن المهم التأكيد على أن حوار ترمذ نفسه يجسد عملياً المبادرة العالمية التي طرحها الرئيس شوكت ميرضيائيف لتعزيز الترابط بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية. وقد حظيت هذه الرؤية الاستراتيجية بدعم دولي بالإجماع، وتم تكريسها رسمياً في قرار خاص للجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمد عام 2022. ولا يمكن المبالغة في أهمية هذا القرار، إذ وضع إطاراً قانونياً دولياً طويل الأمد للتقارب العابر للأقاليم، واعترف به كعامل رئيسي للتنمية المستدامة. وبشكل أوسع، يعكس هذا النهج الاستراتيجي بعيد النظر للرئيس، والقائم على تطوير العلاقات بين الدول على أساس المنفعة المتبادلة وحسن الجوار الحقيقي وبناء السلام الوقائي.

كما يُنظم الحوار بالتعاون مع مؤسسات مرموقة في مجال بناء السلام ومراكز بحثية وأكاديمية رائدة، من بينها مؤسسة كونراد أديناور، ومؤسسة بيرغهوف (ألمانيا)، ومؤسسة بيس نيكسوس (سويسرا)، ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة (الولايات المتحدة)، إضافة إلى جامعة جورجتاون الشهيرة. ويتمثل هدفنا المشترك في إنشاء منصة متعددة الأطراف شاملة للحوار المفتوح والهادف.

— ماذا يتضمن برنامج الحوار المرتقب؟ وهل سيقتصر على الجلسات الرسمية العامة؟

— الحوار عبارة عن منتدى واسع النطاق يمتد لثلاثة أيام، وبرنامجه يتجاوز بكثير الجلسات العامة التقليدية. فنحن نسعى إلى الجمع بين النقاشات النظرية العميقة والنتائج العملية.

إضافة إلى الجلسات الرئيسية، يتضمن البرنامج مجموعة واسعة من الفعاليات الجانبية المهمة.

وسيستضيف المنتدى سلسلة من النقاشات الأكاديمية والخبرائية حول التعاون بين دول آسيا الوسطى وأفغانستان، وتطوير الحوار ضمن الصيغة الثلاثية «أفغانستان–أوزبكستان–باكستان»، وقضايا الهوية الإقليمية في آسيا الوسطى، فضلاً عن تعزيز حوار الشباب حول بناء السلام والتنمية المستدامة.

ويتمثل الهدف الأساسي لهذه النقاشات في حشد الخبرات الفكرية والتحليلية دعماً لأجندة التعاون البنّاء وتعميق التفاهم المتبادل وإرساء آليات طويلة الأمد للتفاعل الإقليمي.

ويتضمن البرنامج أيضاً جلسات ميدانية، حيث سيتوجه المشاركون إلى مدينة ترمذ للاطلاع مباشرة على البنية التحتية الحديثة التي تسهل التعاون التجاري والاقتصادي واللوجستي مع دول جنوب آسيا، بما في ذلك مركز أيرتم التجاري الدولي ومركز ترمذ اللوجستي الدولي للشحن، إلى جانب التعرف على الإرث الثقافي والتاريخي الغني لهذه المدينة العريقة.

أما اليوم الثالث من الحوار فسيُعقد في سمرقند، حيث سيستكشف المشاركون الإرث الحضاري الفريد لعصر النهضة السمرقندية، التي شكلت تاريخياً جسراً بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.

— كيف يرتبط النمو الاقتصادي بالاستقرار والأمن؟ هل هو مجرد حسابات تجارية أم أن المشاريع الاقتصادية تمثل شيئاً أكبر؟

— بالتأكيد هي تمثل ما هو أكبر بكثير. فنحن نتحدث عن بناء مصالح استراتيجية مشتركة طويلة الأمد. فالمشاريع الكبرى العابرة للحدود تهدف إلى ربط المناطق ببعضها وتعميق اعتمادها المتبادل. وعندما تصبح الدول مستثمرة اقتصادياً في مشاريع مشتركة للإنشاء والتنمية، فإن الصراع يفقد جدواه بالنسبة لأي طرف.

علاوة على ذلك، فإن النمو الاقتصادي المستدام يزيل الأسس الاجتماعية للظواهر المدمرة مثل الفقر والبطالة والتهميش الاجتماعي، وهي عوامل طالما شكلت الوقود الرئيسي للتطرف وعدم الاستقرار. فالتنمية الاقتصادية تعالج جذور المشكلات بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.

خذوا على سبيل المثال مشروع ممر السكك الحديدية العابر لأفغانستان «ترمذ – مزار الشريف – كابول – نايباباد – خرلاجي». بالنسبة لدول آسيا الوسطى، يوفر هذا المشروع أقصر طريق إلى موانئ المحيط الهندي، ويخفض تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة. أما بالنسبة لباكستان وجنوب آسيا، فإنه يفتح منفذاً مباشراً إلى موارد وأسواق منطقتنا.

وسيكون هذا المشروع محركاً قوياً لتنمية القطاعات الاقتصادية المجاورة، من خلال خلق فرص عمل جديدة وتوليد إيرادات للموازنات العامة وفتح آفاق للتقدم التكنولوجي السريع. والأهم من ذلك أنه يدمج أفغانستان في عمليات التنمية السلمية والبناءة.

ومن ثم فإن خط السكك الحديدية العابر لأفغانستان ليس مجرد مشروع تجاري أو هندسي، بل أداة فعالة جداً لبناء السلام، إذ يخلق حوافز اقتصادية طويلة الأمد للسلام على الأراضي الأفغانية. وينطبق المبدأ ذاته على مبادرات كبرى أخرى مثل مشروع «كاسا-1000» وخط أنابيب الغاز «تابي».

— ما الدور الذي تلعبه قضايا البيئة والتغير المناخي في أجندة الحوار؟

— هذه من أهم القضايا وأكثرها حساسية. فالطبيعة والنظام البيئي المشترك يبرزان بوضوح الترابط الوثيق بين مناطقنا والحاجة الملحة إلى استجابات جماعية للتحديات المشتركة.

إن التغير المناخي يوضح مدى الترابط بين الأمن المائي والغذائي والطاقة والنقل وسبل عيش الإنسان. فعندما تذوب أنهار بامير وتيان شان الجليدية، فإن ذلك يؤثر مباشرة على إمدادات المياه والزراعة في آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية معاً.

إن الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة تحديات مشتركة تتطلب استجابات جماعية حصراً، لأنها تمس أسس الحياة لمئات الملايين من البشر وتحدد مسار تنميتنا المستدامة.

ولهذا السبب تتضمن أجندة الحوار قضايا التكيف المشترك والاستدامة البيئية. ونحن مقتنعون بأن الحلول الفعالة لا يمكن أن تقتصر على إجراءات وطنية منفصلة، بل يجب أن تكون عابرة للحدود.

— ما المكانة التي تحتلها الثقافة والبعد الإنساني ضمن هذا الإطار الواسع؟

— أستطيع القول إنهما يشكلان الاتجاه الرئيسي والأساس الجوهري لعملنا. فعلى الرغم من أننا بدأنا الحديث بالاقتصاد والبنية التحتية والمناخ، فإنني أؤمن بأن الترابط الثقافي والإنساني يجب أن يأتي أولاً. فالاقتصاد والخدمات اللوجستية يشكلان الهيكل، أما الثقافة والذاكرة التاريخية المشتركة فهما الروح والقلب.

إن دولنا تشترك في فضاء حضاري وثقافي وتاريخي واحد. ولسنا بصدد بناء جسور الثقة من الصفر، فهذه الأسس تشكلت عبر قرون طويلة.

وقد سُمي «حوار ترمذ» نسبة إلى مدينة ترمذ التاريخية التي كانت عبر آلاف السنين بوابة للتبادل الحضاري بين آسيا الوسطى وآسيا الجنوبية.

وعلى هذه الأرض تداخلت مصائر وتقاليد إمبراطوريات عظيمة، بدءاً من صغديانا وباكتريا القديمة والدولة الأخمينية، مروراً بالعهد الإغريقي–الباختري، ثم الإمبراطورية الكوشانية التي حولت ترمذ إلى مركز رئيسي على طريق الحرير العظيم.

وخلال العصور الوسطى، ضمنت الخاقانات التركية أمن طرق التجارة الأوراسية، بينما أقامت الدولة الغزنوية جسراً حضارياً قوياً بين ثقافة ما وراء النهر الرفيعة وسهول الهند.

أما عصر التيموريين والإمبراطورية المغولية التي أسسها بابر فقد شكلا ذروة هذا التفاعل الحضاري. فقد انعكست روائع العمارة في سمرقند وبخارى على المعالم المعمارية المهيبة في دلهي وآغرا ولاهور، كما نشأت طبقة ثقافية مشتركة عند تقاطع اللغات الأوزبكية القديمة والفارسية والسنسكريتية، ولا تزال تقاليدها الموسيقية والشعرية حية في ذاكرة شعوبنا حتى اليوم.

كما شهدت هذه المنطقة عبر القرون تعايشاً سلمياً للأديان العالمية الكبرى، من الزرادشتية والبوذية والمسيحية النسطورية والتنغرية، وصولاً إلى الإسلام الذي استوعب إرث التسامح الديني وأطلق ظاهرة النهضة الشرقية.

— لكن لماذا يبدو أن هذا الإرث قد نُسي اليوم؟

— للأسف، خلال القرن والنصف الماضيين تم محو هذه الذاكرة التاريخية بشكل منهجي ومتعمد من وعينا.

لقد خضعنا لصورة استعمارية مدمرة عُرفت باسم «اللعبة الكبرى»، وللفكرة الخاطئة القائلة إن مناطقنا محكوم عليها بالتجزئة الدائمة والتنافس الجيوسياسي والصراعات المستمرة.

ولا يزال كثير منا ينظر إلى أفغانستان من زاوية التهديدات فقط، وإلى جنوب آسيا باعتبارها منطقة بعيدة وغريبة وغير آمنة.

لكننا لا نقف على أنقاض قاحلة، فتاريخنا المشترك ما زال حياً.

إن إحياء هذه الذاكرة التاريخية وتعزيز الخطاب المعرفي واستعادة الوعي بعظمتنا الحضارية المشتركة يمثل مسؤولية تاريخية ضخمة تقع على عاتق أجيال اليوم ونخبها السياسية. وهذا بالتحديد أحد الأهداف الوجودية الرئيسية لحوار ترمذ.

فعندما يبدأ المواطنون والمفكرون والقادة في طشقند ودلهي وإسلام آباد وكابول برؤية بعضهم البعض ليس فقط كشركاء اقتصاديين، بل كورثة لرمز حضاري وثقافي مشترك، سيظهر مستوى جديد تماماً من الثقة.

وسيصبح هذا الشعور بالانتماء إلى إرث مشترك أفضل ضمانة داخلية ضد أي محاولات خارجية لزعزعة استقرار المنطقة أو استغلال تناقضاتها.

إن الإدراك بأن مصيرنا مشترك وغير قابل للتجزئة سيدفع الدول إلى تبني أجندة بناءة لا بديل عنها، ورفض الحرب نهائياً.

ومع اقتراب جولة طشقند من حوار ترمذ، يتضح بشكل متزايد أن أوزبكستان تقدم للمجتمع الدولي فلسفة مختلفة تماماً ومبنية بعناية للتكامل الإقليمي.

فالأمر لا يقتصر على بناء السكك الحديدية أو مد خطوط الطاقة، بل هو رؤية تعتبر أن البنية التحتية المادية ليست سوى تجسيد ملموس لروابط غير مرئية لكنها راسخة في التاريخ المشترك.

وعندما يترسخ هذا الشعور بالمسؤولية والانتماء، ستعمل طرق التجارة وتدفقات الاستثمار والمبادرات المناخية بصورة طبيعية ومستدامة، لأن الاقتصاد سيصبح امتداداً منطقياً للتقارب الحضاري.

إن حوار ترمذ يعيد لشعوب آسيا تاريخها الخاص، ويذكرها بما يجب الحفاظ عليه، وبالغاية التي تستحق أن تُصان من أجلها قيم السلام والاستقرار ومستقبل المنطقة على هذه الأرض المباركة.

وكالة دونيو للأنباء.

Exit mobile version