في أيام رمضان الأخيرة من عام 2026، شهدت العاصمة الأوزبكية حدثاً ثقافياً وروحياً استثنائياً تمثل في الافتتاح الرسمي لمركز الحضارة الإسلامية، بحضور الرئيس شوكت ميرضيائيف ومشاركة واسعة من المسؤولين والعلماء والمثقفين والضيوف الأجانب.
وجاء الحفل متزامناً مع أجواء الشهر الفضيل، ليختتم بمأدبة إفطار جماعية جمعت ممثلين عن مختلف الجنسيات والأديان، في تأكيد عملي على قيم الوحدة والتسامح والانفتاح التي يجسدها رمضان وسياسة أوزبكستان الجديدة.
حيث بدأ الرئيس كلمته بالتهنئة الحارة للشعب الأوزبكي بحلول الشهر الكريم، مشيراً إلى أنه رمز للرحمة والإحسان والأعمال الصالحة.
واستعرض المبادرات الاجتماعية التي تقودها الدولة والمنظمات غير الحكومية لدعم كبار السن والمحتاجين والمرضى في المناطق النائية، معتبراً أن هذه الجهود تعزز كرامة الإنسان وتوطد السلام والوحدة الوطنية في مجتمع يتجاوز عدده 38 مليون نسمة يعيشون كعائلة مترابطة.
وفي سياق التحديات العالمية، أكد أهمية السلام كنعمة عظمى، مشيداً بمشاركة السلك الدبلوماسي كتعبير عن احترام القيم الإنسانية للإسلام وسياسة الانفتاح.
ثم انتقل إلى جوهر الحدث، واصفاً المركز بأنه عيد حقيقي للمعرفة والتنوير، يحقق أحلام الأجداد وتطلعات الأجيال.
وذكر أن المبادرة أُعلنت قبل تسع سنوات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحظيت بدعم دولي واسع، ليُبنى المركز بجوار مجمع حضرة الإمام كمدينة شرقية فريدة تحمل روحاً وطنية أصيلة، مع نقش الآية الكريمة اقرأ على بوابة أولوغ بيك كرمز لجوهر الإسلام الداعي إلى طلب العلم.
يمتد المركز على مساحة تقارب 10 هكتارات بمساحة بناء قابلة للاستخدام تصل إلى 50 ألف متر مربع، ويضم قاعات عرض ترصد مراحل تاريخية من الفترة ما قبل الإسلامية إلى أوزبكستان الجديدة عصر التنوير الثالث.
وقد أُثريت معروضاته بجهود مكثفة، بما في ذلك مخطوطات قرآنية نادرة وآثار تاريخية.
ويُعد قلب المركز قاعة القرآن الكريم التي تحتضن مخطوطة عثمان الشهيرة إحدى أقدم النسخ في العالم إلى جانب مجموعة نادرة من المخطوطات القرآنية تعود لعصور مختلفة، مع إضاءة فنية تجمع بين التقنيات الحديثة وجماليات التراث.
يشمل المركز مكتبة تضم عشرات الآلاف من المجلدات الورقية والإلكترونية، مع مقر جديد لمكتب مسلمي أوزبكستان ومكاتب تعاون مع منظمات دولية مثل إيسيسكو (ICESCO) وإرسيكا (IRCICA) ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية وتركسوي. وقد رقمنت المعروضات وفق معايير دولية، مع رموز QR وتسهيلات لذوي الاحتياجات الخاصة، ليكون متحفاً مفتوحاً للجميع.
من وجهة نظر شخصية، يتجاوز المركز كونه صرحاً ثقافياً؛ إنه استراتيجية وطنية لرؤية ميرضيائيف في إعادة بناء الهوية بعد عقود من التحديات. نقش «اقرأ!» ليس زخرفة، بل إعلان سياسي وروحي بأن الإسلام في أوزبكستان دين علم وتنوير، لا تطرف.
في زمن يُحاول البعض ربط الإسلام بالظلام، يقدم نموذجاً مضاداً يجمع التراث مخطوطة عثمان، آثار تيمور بالحداثة الرقمنة، التعاون الدولي.
إنه انتقال من الاستقلال السياسي والاقتصادي إلى الروحي والمعرفي، حيث يصبح الشباب خوارزميين وبيرونيين وأولوغ بيك جدد، حظي المركز باهتمام عالمي سريع حتى قبل افتتاحه العام.
شارك في تصميمه وتطويره أكثر من 600 خبير من نحو 50 دولة، بما في ذلك فرنسا والصين وبريطانيا والولايات المتحدة والإمارات وتركيا والسعودية.
وحصل على جائزة Prix Avicenne 2025 الفرنسية المرموقة لإنجازاته في العلوم الإنسانية وحفظ التراث، كما دخل قوائم أبرز المتاحف المنتظرة في 2026 من BBC Travel وغيرها، ويتنافس على جوائز Prix Versailles الكبرى.
وأعرب الرئيس ميرضيائيف وفقًا للمكتب الإعلامي
عن شكره للمساهمين، خاصة رجال الأعمال وعلى رأسهم أليشر عثمانوف.
ودعا العلماء والمبدعين إلى الاستلهام من التراث لإنتاج أعمال تعكس ثلاثة آلاف عام من التاريخ، لتصبح أوزبكستان منارة عالمية للسلام والمعرفة.
في الختام، يمثل الافتتاح خلال رمضان 2026 نقطة تحول تاريخية. ليس مجرد مبنى، بل إعلان بأن أرض البخاري والترمذي والماتريدي لم تنسَ جذورها، ومصممة على أن تكون في القرن الحادي والعشرين منارة للسلام والتسامح. حين يدخل الشاب الأوزبكي ويقرأ «اقرأ!»، سيدرك أن ماضيه وقود لمستقبله.
أوزبكستان الجديدة واقع ينبض بالحياة، يدعو العالم للتعلم من توازنها بين التراث والحداثة، بين الإيمان والعقل. فلتكن بداية نهضة ثالثة تنير الطريق للجميع.

